مقالات تربوية

فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ: الدعاء في مواسم الخير وأوقات الشدائد

فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ: الدعاء في مواسم الخير وأوقات الشدائد

مقدمة: ففرّوا إلى الله الملجأ الذي لا يُخيّب 

فإن الله تعالى إذا ضاقت السبل، واشتدت الكروب، وتتابعت المحن، فتح لعباده بابًا لا يُغلق، وأرشدهم إلى ملجأ لا يخيِّب من قصده، فقال سبحانه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]. فإليه الملجأ، وعنده الفرج، وبيده كشف الضرِّ وتبديل العسر يسرًا.

والدعاء من أجلِّ العبادات وأعظم القربات، وهو صلة العبد بربه، ومظهر افتقاره إليه، وملجؤه عند الشدائد والكربات، وقد أمر الله تعالى به ووعد بالإجابة، فقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60].

وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»، ثم تلا هذه الآية الكريمة.

وإذا نزلت بالأمة النوازل، أو اشتدت بها الكروب، كان من أعظم ما تتقرب به إلى الله تعالى كثرة الدعاء والتضرع والاستغفار، مع الأخذ بالأسباب المشروعة، والصبر على البلاء، وحسن الظن بالله عز وجل؛ فالدعاء ليس بديلًا عن العمل، بل هو روح العمل وسنده، وسبب من أعظم أسباب التوفيق والفرج.

وما أكثر ما تمر به أمتنا اليوم من المحن والشدائد؛ في فلسطين وغزة، وفي مواطن الظلم والاستضعاف، وفي السجون والمعتقلات، وفي بقاع كثيرة من عالمنا الإسلامي، مما يستدعي مزيدًا من الرجوع إلى الله، والافتقار إليه، واليقين بأن الفرج بيده وحده سبحانه.

مجالس الذكر والدعاء

لقد رغَّب الإسلام في الاجتماع على ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه ومدارسته، وجعل ذلك من أسباب نزول الرحمة والسكينة وحفوف الملائكة، كما ثبت في الحديث الصحيح.

ولا حرج أن يجتمع أهل البيت، أو جماعة من المسلمين، في المسجد أو غيره، فيتذاكروا معاني الإيمان، ويكثروا من الذكر والدعاء، ويتضرعوا إلى الله تعالى أن يرفع البلاء عن الأمة، من غير التزام هيئة مخصوصة، ولا اعتقاد فضيلة خاصة لم يرد بها دليل.

فالمقصود هو إحياء معاني العبودية والافتقار إلى الله، وتذكير القلوب بأن النصر والفرج والتمكين إنما هي منحة من الله تعالى يؤتيها من يشاء، وأن القلوب إذا اجتمعت على الإخلاص والإنابة كانت أقرب إلى رحمة الله وتوفيقه.

عاشوراء وموسم الرجوع إلى الله

ويأتي يوم عاشوراء ضمن الأيام الفاضلة التي يستحب للمسلم اغتنامها بالطاعة والذكر والدعاء.

فهو اليوم الذي نجَّى الله فيه موسى عليه السلام وقومه، وأهلك فرعون وجنده، فصامه موسى شكرًا لله تعالى، وصامه نبينا صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «...وصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ«(رواه مسلم). 

ومن أعظم ما ينبغي أن يستحضره المسلم في هذا اليوم أن الله تعالى ينصر الحق وأهله، وأن عاقبة الظلم إلى زوال، وأن الفرج يأتي بعد الشدة، كما قال سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5].

فلنكثر من الدعاء لأنفسنا وأهلينا وأمتنا، ولإخواننا المستضعفين في كل مكان، ولنجعل من مواسم الطاعة محطاتٍ لتجديد الإيمان، وتعميق الثقة بالله، وإحياء الأمل في وعده ونصره، فإن الأيام دول، وإن مع العسر يسرًا، وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين.

نسأل الله تعالى أن يكشف الغمة عن الأمة، وأن يرفع البلاء عن المستضعفين، وأن يفرج كرب المكروبين، ويطلق سراح الأسرى والمعتقلين، وأن يرزق الأمة فرجًا قريبًا ونصرًا عزيزًا، ويتقبل منا صالح الأعمال.

إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

.

م. أحمد شوشة

مهندس مدني وعضو في جماعة الإخوان المسلمين .

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم