المربي

المربي

نبيٌّ من أولي العزم يطلب أن يتعلّم.. فأين نحن؟

نبيٌّ من أولي العزم يطلب أن يتعلّم.. فأين نحن؟

من أخطر ما يصيب المربي أن يبلغ لحظةً يشعر فيها أنه قد اكتفى؛ أنه صار "المعلّم" الذي يُؤخذ عنه ولا يأخذ، ويُصحَّح له ولا يُصحِّح غيره خطأه. وعند هذه اللحظة يتوقّف نموّه، ومن توقّف نموّه بدأ أثره في الذبول؛ لأن المربي إنما يعطي من رصيده، فإذا كفّ عن التزوّد نضب ما يعطيه على مهل.

وقد جعل القرآن الحرص على التعلّم من صفات العابد؛ فعابد الله حريصٌ على أن يتعلّم ولو ممن هو أقلّ منه شأنًا في الظاهر. وأبلغ مثالٍ على ذلك موقفٌ يهزّ كلّ من ظنّ أنه فوق التعلّم: موسى عليه السلام ــ وهو نبيٌّ من أولي العزم، كلّمه الله وأنزل عليه التوراة ــ يطلب أن يتّبع الخضر عليه السلام ليتعلّم منه: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66]. فتأمّل: نبيٌّ عظيم يعرض نفسه تلميذًا، ويسأل بأدب المتعلّم "هل أتّبعك؟"، ويعترف أن عند الآخر علمًا ليس عنده. فإذا كان موسى عليه السلام ــ على مقامه ــ يطلب أن يتعلّم، فأيّ مربٍّ يظنّ أنه بلغ حدًّا يستغني بعده عن التعلّم؟

 

العابد ليس بالجاهل ولا بالغبي

ولم يكن حرص العابد على العلم أمرًا هامشيًّا في صفاته؛ فالقرآن يميّزه بأنه ليس بالجاهل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، وليس بالغبيّ الذي لا يتذكّر ولا يتدبّر: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]. فالعبادة الصادقة تلازمها يقظةُ العقل وطلبُ العلم؛ ومن ثمّ فالمربي الرباني لا يكون جامدًا مكتفيًا، بل حيّ العقل دائم النموّ.

 

تواضع المتعلّم لا كبرياء المعلّم

ودرس موسى والخضر عليهما السلام ليس في طلب العلم فحسب، بل في تواضع طالبه؛ فموسى عليه السلام لم يمنعه مقامه أن يجلس مجلس المتعلّم. وهذا ما يحتاجه المربي: أن يظلّ متواضعًا يقبل أن يتعلّم ممن حوله، ولو كانوا أصغر منه سنًّا أو أقلّ منه شأنًا؛ فقد يكون عند طالبه فكرةٌ لم تخطر له، وعند زميله الأصغر خبرةٌ يفتقر إليها. والمربي الذي يأنف أن يأخذ إلا ممن هو أعلى منه، يحرم نفسه خيرًا كثيرًا؛ فالحكمة ضالّة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحقّ بها.

بل إن هذا التواضع نفسه درسٌ يربّي به المربي طلابه؛ فحين يرونه يقول "لا أعلم" حين لا يعلم، ويشكر من دلّه على خطئه، ويتعلّم أمامهم بلا حرج، يتعلّمون أن العلم رحلةٌ لا تنتهي، وأن الاعتراف بالجهل بابٌ من أبواب العلم، لا نقصٌ يُخفى.

 

المتعلّم دائمًا هو الذي يبقى

والمربي الذي يبقى طالبًا يتجدّد عطاؤه؛ لأنه يملأ خزّانه باستمرار فلا ينضب. أمّا الذي توقّف عند ما حصّله في شبابه، فيظلّ يردّد المعلومة نفسها حتى تبلى، ويقف عاجزًا أمام أسئلة جيلٍ جديد لم يعد يكفيه القديم. فطلب العلم للمربي ليس ترفًا، بل شرطُ بقائه نافعًا؛ ومن أراد أن يظلّ معطاءً، فليظلّ متعلّمًا.

 

خاتمة

لا تظنّ يومًا أنك بلغت حدًّا تستغني بعده عن التعلّم؛ فموسى عليه السلام ــ على نبوّته ــ طلب أن يتعلّم، وأنت أحوج. ابقَ طالبًا متواضعًا: تتعلّم ممن فوقك وممن دونك، وتقول "لا أعلم" بلا حرج، وتفرح بمن يدلّك على خطئك. فالمربي المتعلّم هو الذي يبقى أثره، والمكتفي بما عنده هو الذي يذبل من حيث لا يشعر.

 

 

اقرأ أيضًا: العابد كما يصوره القرآن ليس منعزلًا

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم