﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ في النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ في الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: 12].
هذا القرآن حياة ونور، ما في ذلك شك.
والقلوب قسمان: حي وميت، والقلوب الحية هي التي تعتبر موجودة فعلا، وأما القلوب الميتة فلا وجود لها: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37].
والقلوب الحية تتذوق طعم الكلام الجيد والرديء، وتدرك تمام الإدراك مرمى الآيات البينات ومغزاها القريب والبعيد، وتنظر وترى، وتبصر معالم المشاهد والمرئيات، وتميز بين الضار المهلك والنافع المفيد، وتشعر بهذا كله شعورًا قويًا، وتحس به إحساسًا دقيقًا، يحدد لها مثلها العليا وغايتها السامية؛ فتوجه إليها الجهود جميعًا من قول وعمل، وتدفع الجوارح والأبدان قدما في هذه السبل حتى تصل إلى ما تريد مهما صادفها من عناء أو لقيت من مشقة وبلاء.
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
وهذا القرآن الكريم بما يحمل من طابع الربانية وخصائص الكلام الإلهي، وبما ينطوي عليه من معاني التأثير الكامل في القلوب الواعية، والنفوس الصافية، وبما تميز به من سحر الفصاحة، وإعجاز البلاغة، وحلاوة الأسلوب، وعذوبة المنطق وعلو الذوق، وغرابة التركيب، وصادق التوجيه، وصحيح المعرفة..
هذا القرآن بخصائصه هذه روح من الله -تبارك وتعالى- ينفخ في القلوب الهامدة، ويسكب في تجاويف الأفئدة الميتة فيحييها ويبعثها، ويحركها ويعيد إليها كل معانى الحياة القوية الدافقة المنتجة المثمرة، وهو بهذه الخصائص كلها نور قوى وهّاج، يضئ لها سبيل السير والسلوك، بعد أن وهب لها حسن الحياة وقوة الإحياء: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللهِ الَّذِى لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: 52-53].
ومن هنا وهب القرآن للرعيل الأول من رجال هذه الأمة من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان حياة جديدة في كل شيء، ونورًا جديدًا أضاء لهم السبل لكل شيء؛ فأحياهم بعد خمود، وجمعهم بعد فُرقة، وأغناهم بعد فاقة، وجعلهم أئمة الدنيا يهدون الناس بإذن ربهم إلى طرائق العدل وسبل الخير ووسائل السعادة والسلام، وكانوا المُثُل الحية للقلوب الحية.
ذكرت هذه المعاني، ودارت بخلدي جمعيا، وقد ضمتني حنايا الحرم المبارك، وبدت أمام ناظري الكعبة المشرفة عالية البنيان، قوية الأركان، خالدة المجد، وضاحة السنا، مشرقة بالضياء والنور، تطوف بها آناء الليل وأطراف النهار خلال العام كله هذه الملايين من القلوب الوالهة المشوقة المؤمنة بالله رب البيت العتيق والحرم العتيق، تستجيب لندائه كل يوم، وتبذل في سبيل الحج إلى بيته الحرام ما تملك من وقت وجهد ومال.
وسألت نفسي وأنا أسمع دعاء هذه الآلاف من الناس، كل يدعو بما يحب: دع عنك هذه الصيغ التقليدية التي يلقنها المطوفون الطائفين، فيردد الكثير منهم ما لا يشعر بأثره في نفسه، ولا يجد حلاوته في قلبه.
دع عنك هذا؛ فما عن هذا سألت نفسي أو سألتني نفسي، ولكنى إنما كنت أتصفح وجوه قلوب هذه الآلاف لأستشعر مبلغ الحياة التي قذف بها القرآن الكريم في صميمها، ولتعرف مدى شعورها بالمُثُل العليا، والأهداف الإنسانية الفردية والأسرية، والقومية والعالمية التي حددها الإسلام للمؤمنين به، ولأسال نفسي بعد ذلك:
ترى لو أن هذه الآلاف المؤلفة من مختلف أقطار الوطن الإسلامي من الصين إلى مراكش، ومن أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.. متيقظ فيها معنى الحياة التي يقذف بها القرآن في نفوس أتباعه، هل كانت حالهم تظل على ما هي عليه الآن من ضعف واستكانة؟
أظن أن ذلك كان يكون من المستحيلات. ولم أشأ أن أسترسل في هذه السلسلة من الخواطر، ولكنى توجهت إلى الله العلى الكبير، ودعوت بإيمان وخشوع وضراعة وأنا في أحضان الملتزم وفي ظل ستر الكعبة المباركة:
اللهم أحيي هذه القلوب بكتابك
.