مقالات تربوية

مَنْ أَشْرَقَتْ بِدايَتُهُ أَشْرَقَتْ نِهايَتُهُ

مَنْ أَشْرَقَتْ بِدايَتُهُ أَشْرَقَتْ نِهايَتُهُ

مقدمة: الروح الدافعة وراء كل دعوة

يقول الأستاذ البنا في رسالته "دعوتنا في طور جديد": "وينظر الناس في الدعوات إلى مظاهرها العملية وألوانها الشكلية ، ويهملون كثيرا النظر إلى الدوافع النفسية والإلهامات الروحية التي هي في الحقيقة مدد الدعوات وغذاؤها وعليها يتوقف انتصارها ونماؤها، وتلك حقيقة لا يجادل فيها إلا البعيد عن دراسة الدعوات وتعرف أسرارها ، إن من وراء المظاهر جميعا في كل دعوة روحا دافعة ، وقوة باطنة تسيرها وتهيمن عليها وتدفع إليها ، ومحال أن تنهض أمة بغير هذه اليقظة الحقيقية في النفوس والأرواح والمشاعر: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ…﴾[الرعد:11].

ولهذا أستطيع أن أقول إن أول ما نهتم له في دعوتنا، وأهم ما نعول عليه في نمائها وظهورها وانتشارها هذه اليقظة الروحية المرتجلة؛ فنحن نريد أول ما نريد يقظة الروح، حياة القلوب، صحوة حقيقية في الوجدان والمشاعر، وليس يعنينا أن نتكلم عما نريد بهذه الدعوة من فروع الإصلاح في النواحي العملية المختلفة بقدر ما يعنينا أن نركز في النفوس هذه الفكرة.

نحن نريد نفوسًا حية قوية فتية، قلوبًا جديدة خفاقة، مشاعر غيورة ملتهبة متأججة، أرواحًا طموحة متطلعة متوثبة، تتخيل مُثلًا عليا، وأهدافًا سامية لتسمو نحوها وتتطلع إليها ثم تصل إليها، ولابد من أن تحدد هذه الأهداف والمثل، ولابد من أن تحصر هذه العواطف والمشاعر، ولابد من أن تركز حتى تصبح عقيدة لا تقبل جدلاً ولا تحتمل شكًّا ولا ريبًا".

ثم يقول:" أيها الناس قبل أن نتحدث إليكم في هذه الدعوة عن الصلاة والصوم وعن القضاء والحكم وعن العادات والعبادات وعن النظم وعن المعاملات، نتحدث إليكم عن القلب الحي والروح الحي والنفس الشاعرة والوجدان اليقظ والإيمان العميق"

ويقول عليه رحمة الله: "بهذه المشاعر الثلاثة: الإيمان بعظمة الرسالة والاعتزاز باعتناقها والأمل في تأييد الله إياها، أحياها الراعي الأول -ﷺ- في قلوب المؤمنين من صحابته بإذن الله، وحدد لهم أهدافهم في هذه الحياة، فاندفعوا يحملون رسالتهم محفوظة في صدورهم أو مصاحفهم ، بادية في أخلاقهم وأعمالهم معتدين بتكريم الله إياهم واثقين بنصره وتأييده، فدانت لهم الأرض وفرضوا علي الدنيا مدنية المبادئ الفاضلة وحضارة الأخلاق الرحيمة العادلة ، وبدلوا فيها سيئات المادية الجامدة إلى حسنات الربانية الخالدة، ويأبى الله إلا أن يتم نوره" انتهى.

 

إنها معركة قلوب لا تعرف الاستكانة ولا الوهن، ومعركة عقول لا تكف عن الابتكار والابداع، ومعركة إرادة وعمل لايتطرق إليهما ضعف ولا خذلان.

 

فأما القلب

 فنوره؛ الإسلام والايمان والإحسان، وزاده؛ القرآن، والحديث، والذكر، والدعاء، وصلاة الفريضة في وقتها، والصلاة في جوف الليل، والصيام، والاعتكاف، والزكاة، والصدقة، والحج، والعمرة، والاعمال الصالحات، وكذلك الحركة المنضبطة بالفكرة تنير القلب. وكلما صلح القلب وامتلأ تزكية؛ تخلي عن المطامع والشهوات والجبن والعجب وحب الرياسة والرياء وتحلي بالفضائل والأخلاق والحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدل والتواضع والصدق والوفاء، فيطلق عقال العقل ليجول في آفاق الابتكار والإبداع.

أخرج البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: "إنَّ الحلالَ بيَّن وإن الحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثيرُ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حِمى، ألا وإن حِمى الله محارمُه، ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صَلَحت صَلَح الجسدُ كُلُّهُ، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله ، ألا وهي القلب".

وقال ﷺ: "ألا وإن لله أواني في أرضه هي القلوب؛ فأحب الأواني إلى الله تعالى أصفاها وأصلبها وأرقها؛ أصفاها من الذنوب وأصلبها في الدين وأرقها على الإخوان". [أخرجه الطبراني] إلا أنه قال: "ألينها وأرقها" وإسناده جيد.

 

يقول الإمام الغزالي (ولد بمدينة طوس -مکان قریب من مدینة مشهد في إيران. عام 451 هـ وتُوفي بطوس عام 505 هـ) في الإحياء: "أن الأخلاق الجميلة هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان وجوار الرحمن، والأخلاق الخبيثة أمراض القلوب وأسقام النفوس إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد، وأين منه المرض الذي لا يفوت إلا حياة الجسد؟"

يقول الاستاذ البنا -عليه رحمة الله تعالى- في رسالة "هل نحن قوم عمليون": "وهل رأيت بربك أعزب وأحلى وأروع وأجلى من مظهر ذلك الخاشع العابد الراكع الساجد القانت آناء الليل يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه وقد نامت العيون وهدأت الجفون واطمأنت الجنوب في المضاجع وخلا كل حبيب بحبيبه ونادى منادي العارفين من المحبين :

سهر العيون لغير وجهك ضائع    ....   وبكاؤهن لغير فقدك باطل

وهل يلذ لمحب في غير خلوة نجاء؟ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ولقد حدثوا أن أبا القاسم الجنيد رؤي بعد وفاته فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : طاحت الإشارات وفنيت العبارات وغابت العلوم وضاعت الرسوم وما نفعنا إلا ركيعات كنا نركعها في جوف الليل." انتهى. 

أيها الأحباب:

الإيمان بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد -ﷺ- نبيًا ورسولًا، ثم إخوة تجمع القلوب وتوحد الصفوف، هذه هي المهمة الاولي للقيادة الراشدة:" أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ثم يلي ذلك قوة الوحدة والارتباط " ثم تأتي بعدهما أسباب القوي المادية.

ويقول الاستاذ البنا رحمه الله (في جريدة الإخوان المسلمين، العدد (7)، السنة الأولى، 4ربيع الآخر 1352هـ - 27يوليو 1933م، ص(10-11)):

أما المؤمنون الكاملون؛ فأولئك الذين عرفوا أن الإيمان قول باللسان؛ فرطبت به ألسنتهم، واعتقاد بالجنان؛ فامتلأت به قلوبهم، وعمل بالأركان؛ فنشطت إلى الطاعة جوارحهم، لا تُزعزع عقيدتَهم الحوادثُ، ولا تفتنهم عن دينهم الكوارثُ، ولا تنسيهم مولاهم الدنيا، ولا تبعدهم عن الله الغفلاتُ، كما قال رسول الله -ﷺ- ما معناه: «عَمَّار مملوء بالإيمان من مفرق رأسه إلى أخمص قدمه» (حديث صحيح أخرجه بن ماجه والنسائي).

 

وأما العقل

فنوره؛ قلب زكي؛ طهَّر العقل من التصورات المنحرفة والخواطر الفاسدة، وأطلقه إلى أفق رحب ينهل فيه؛ من علوم الشرع، وعلوم الكون وثقافة العصر؛ يأخذ منهما ما يفيد، ويطرح عنهما ما يضر ولا يتفق مع الشرع. ثم ينطلق بتلك العلوم والثقافات إلى سماءالاجتهاد والتطوير والإبداع والابتكار.

﴿اقرأ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.خَلَقَ الإِنسانَ مِنْ عَلَقٍ.اقْرأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ.الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ.عَلَّمِ الإِنسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾[العلق:1-5]. 

﴿قل هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنمَا يَتًذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ﴾[الزمر:9].

﴿ومن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقْد أُوتِي خَيْراً كثيراً﴾[البقرة: 269].

﴿إِنمَا يَخْشى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ…﴾[فاطر: 28].

﴿وَالرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِه كُلٌ مِنْ عِند رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الألَباب﴾[آل عمران :7].

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[آل عمران : 18].  

‏﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾[‏المجادلة‏:‏11‏]. ‏ 

عن صفوان بن عسال -رضي الله عنه- أن النبي -ﷺ- قال‏:‏ (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يطلب‏) [رواه الإمام أحمد، وابن ماجة].

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله ﷺ‏:‏ (مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة) [رواه مسلم‏].

 وفي «‏الصحيحين‏»‏: (‏مَنْ يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)‏‏ متفق عليه.‏ ‏ 

وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله ﷺ‏:‏ ( إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولاتنبت كلأ، فذلك مثل من َفقُه فى دين الله ونفعه الله بما بعثنى به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) أخرجاه في «الصحيحين‏».‏ 

يقول الحارث بن أسد المحاسبي (وُلِد في البصرة سنة 165هـ، وتوفي في بغداد  سنة 243هـ): "فالعقل غريزة جعلها الله -عز وجل- في الممتحنين من عباده". "مع التجارب يزيد، ويقوى بالعلم وبالحِلْم".

يقول الأستاذ البنا -رحمه الله- في رسالة التعاليم: "والإسلام يحرر العقل، ويحث على النظر في الكون، ويرفع قدر العلم والعلماء، ويرحب بالصالح والنافع من كل شيء، والحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها". 

 

وأما الإردة والعمل 

فنورهما تجرد صادق ونية خالصة تتمثل في: قلب زكي، وفكرة نيرة، فعزيمة صادقة، فإرادة لايتطرق إليها وهن ولا ضعف؛ تتحول بها الفكرة إلى سلوك قويم، وعمل صحيح، وواقع جديد متطور، وحياة متقدمة راقية، وحضارة عظيمة نقية طاهرة، يسعد فيها الخلق بمنهج رب السماء والأرض. 

يقول أبوحامد الغزالي في الإحياء عن حقيقة النية: "اعلم أن النية والإرادة والقصد عبارات متوارده على معنى واحد وهو حالة وصفة للقلب؛ يكتنفها أمران علم وعمل؛ العلم يقدمه لأنه أصله وشرطه، والعمل يتبعه لأنه ثمرته وفرعه."

يقول الأستاذ حسن البنا عليه رحمة الله: "إن تكوين الأمم، وتربية الشعوب، وتحقيق الآمال، ومناصرة المبادئ.. تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره".

ويقول الاستاذ البنا في رسالة التعاليم: "وأريد بالعمل: ثمرة العلم والإخلاص: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[التوبة:105] .

 

أيها الأحباب: هذا هو بداية الطريق 

لأن الله -عز وجل- وضع لنا سنن تفتح بها مغاليق الأمور، وهذه السنن لا تتعدى هذه الأشياء السابق ذكرها إجمالًا؛ فإذا أردنا نجاحًا في معاشنا وآخرتنا ودعوتنا فعلينا بها؛ نربي عليها أنفسنا رويدًا رويدًا وشيئًا فشيئًا وبهمة وحيوية، وكلما تحلينا بها كلما انفتح لنا مُغلق حتى تنفتح المغاليق كلها - إلا ما شاء الله سبحانه وتعالى؛  فصرنا نرى بنور الله عز وجل 

روى الإمام ابن ماجه، وابن أبي عاصم وغيرهما من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيحَ الخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ»

وللإمام ابن القيِّم رحمه الله كلامٌ جميل في بيان مفاتيح الخير حيث قال: "وقد جعل الله سبحانه لكلِّ مطلوب مفتاحًا يفتح به؛ فجعل مفتاح الصَّلاة: الطُّهور، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ: الطُّهُورُ»، ومفتاح الحجِّ: الإحرام، ومفتاح البِّرِّ: الصِّدق، ومفتاح الجنَّة: التَّوحيد، ومفتاح العلم: حُسن السُّؤال وحُسن الإصغاء، ومفتاح النَّصر والظَّفَر: الصَّبر، ومفتاح المزيد: الشُّكر، ومفتاح الوَلاية والمحبَّة: الذِّكر، ومفتاح الفلاح: التَّقوى، ومفتاح التَّوفيق: الرَّغبة والرَّهبة، ومفتاح الإجابة: الدُّعاء، ومفتاح الرَّغبة في الآخرة: الزُّهد في الدُّنيا، ومفتاح الإيمان: التَّفكُّر فيما دعا الله عباده إلى التَّفكُّر فيه، ومفتاح الدُّخول على الله: إسلامُ القلب وسلامته له والإخلاص له في الحبِّ والبغض والفعل والتَّرك، ومفتاح حياة القلب: تدبُّر القرآن والتَّضرُّع بالأسحار وترك الذُّنوب، ومفتاح حصول الرَّحمة: الإحسان في عبادة الخالق والسَّعي في نفع عبيده، ومفتاح الرِّزق: السَّعي مع الاستغفار والتَّقوى، ومفتاح العزِّ: طاعة الله ورسوله، ومفتاح الاستعداد للآخرة: قِصر الأمل، ومفتاح كلِّ خير: الرَّغبة في الله والدَّار الآخرة..» [حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح]. 

وحينها يتجلى فينا قول ربنا في الحديث القدسي عنه ﷺ: إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: مَن عادى لي وَلِيّاً فَقَد آذَنتُهُ بِالحَربِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبدي بِشَي ءٍ أحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افتَرَضتُ عَلَيهِ،  وما يَزالُ عَبدي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى اُحِبَّهُ، فَإِذا أحبَبتُهُ كُنتُ سَمعَهُ الَّذي يَسمَعُ بِهِ ، وبَصَرَهُ الَّذي يُبصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتي يَبطِشُ بِها، ورِجلَهُ الَّتي يَمشي بِها، وإن سَأَلَني لَاُعطِيَنَّهُ، ولَئِنِ استَعاذَني لَاُعيذَنَّهُ) (أخرجه البخاري في الصحيح ومسند ابن حنبل وكنز العمّال). وقال العلامة محمد صالح العثيمين (ولد 1347 هـ، في عنيزة إحدى مدن المملكة السعودية وتوفي عام 1421هـ بمدينة جدة ودفن بمكة المكرمة) في شرحه لرياض الصالحين: "فإذا أكثر الإنسان من النوافل مع قيامه بالفرائض، نال محبة الله فيحبه الله، وإذا أحبه فكما يقول الله -عز وجل- كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ـ يعني أنه يكون مسددًا له في هذه الأعضاء الأربعة". 

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: (اتقوا فراسةَ المؤمنِ؛ فإنَّه يرى بنور الله)، ثُمَّ قَرَأَ:﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ [الحجر: 75] (رواه الترمذي).

وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال النبي ﷺ: (إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم) (حديث إسناده حسن رواه الطبراني وابن جرير الطبري). 

فما ظن العبد بربه إذا كان معه ؟! بلا شك سنبدع في الأساليب ونبتكر في الوسائل ويتحقق نصر الله بفضله وجوده وكرمه .

 

المرءُ يُمنى بالرَجا والياسِ ... ويضيعُ بينهما ضعيفُ الباسِ
فإذا عزمتَ فلا تكُن متردداً ... فسدَ الهوى بتَردُدِ الأنْفاسِ
وإذا استعنتَ فبالتجاربِ إنها ... للنفسِ كالأضراسِ للأضراسِ
النفسُ قوسٌ والعزيمة سهمها ... فارمِ الرجا من هذهِ الأقواسِ
وأضىءْ حياتكَ بالمعارفِ إنما ... هي في ظلامِ العمرِ كالنبراسِ
واجعل أساسَ النفسِ حبَّ اللهِ إذ ... لا خيرَ في بيتٍ بغيرِ أساسِ
.

م. أحمد شوشة

مهندس مدني وعضو في جماعة الإخوان المسلمين .

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم