مقالات

العشر من ذي الحجة (2)

العشر من ذي الحجة (2)

التكبيرُ الذي يوقظُ القلوب

 

في زمنٍ كثرت فيه الضوضاء، وضاعت فيه البوصلة، واشتدَّ فيه التمزقُ بين أبناء الأمة، تأتي أيامُ العشر من ذي الحجة كنداءٍ ربانيٍّ عظيم، يهتف في الأرواح قبل الآذان:

الله أكبر… الله أكبر… الله أكبر…

إنه ليس مجردَ شعارٍ يُردَّد، ولا كلماتٍ تُقال بعد الصلوات، بل هو إعلانُ تحريرٍ للقلوب من عبودية الدنيا، وإيقاظٌ للأمة من سباتها الطويل.

حين يرتفع التكبير في الأرض، تهتزُّ القلوبُ التي أثقلتها المعاصي، وتلين النفوسُ التي أرهقتها الدنيا، وتشعر الأمة أن فوق كل طاغيةٍ جبارًا، وفوق كل قوةٍ قوةَ الله، وفوق كل أزمةٍ فرجًا من الله.

لقد أراد الله للعشر أن تكون موسمًا لإحياء الإيمان، وتجديد العهد، وإعادة بناء الإنسان من الداخل؛ لأن نهضةَ الأمم تبدأ من نهضة القلوب.

قال تعالى:﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28].

قال ابن كثير في تفسيره: "الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة عند جمهور العلماء". ( ابن كثير: 1420هـ، ج5، ص428).

 

أولًا: لماذا شُرِع التكبير في العشر؟

التكبير في العشر ليس عبادةً صوتية فقط، بل مدرسةٌ تربويةٌ ،وإيمانيةٌ عظيمة.

حين يقول المسلم: "الله أكبر"، فهو يعلن:

أن الله أكبر من الخوف.

وأكبر من الظلم.

وأكبر من الشهوات.

وأكبر من اليأس، والهزيمة ،والانكسار.

قال الإمام ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف:

"وفي التكبير تعظيمٌ لله وإجلالٌ له، وإظهارٌ لعبوديته وكبريائه".

(ابن رجب الحنبلي :ص478).

ولهذا كان التكبير شعارَ الحج، وشعارَ العيد، وشعارَ النصر، وشعارَ الثبات.

قال تعالى:﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185].

إن الأمة التي يملأ التكبيرُ قلبَها لا تُهزم نفسيًّا، ولا تموت معنويًّا، لأن قلبها متصلٌ بالله الكبير المتعال.

 

ثانيًا: التكبيرُ… صوتُ التوحيد الذي يوحِّد الأمة

في أيام العشر تسمع التكبير في المساجد، والبيوت، والأسواق، والطرقات، وكأن الأمة تعود فجأةً إلى فطرتها الأولى.

الغنيُّ والفقير، العربيُّ والأعجمي، الأبيضُ والأسود، الجميع يردد:

الله أكبر… الله أكبر… لا إله إلا الله…

إنه أعظم مؤتمرٍ روحيٍّ يوحِّد الأمة بلا مؤتمرات سياسية، ولا شعارات حزبية.

قال سيد قطب في الظلال: "إن العقيدة حين تستقر في الضمير تصنع أمةً متماسكةً قويةً متجردةً لله". (سيد قطب : ج1، ص58).

ولهذا كانت مواسم العبادة الكبرى في الإسلام وسيلةً لإعادة بناء الوحدة الإيمانية للأمة.

 

ثالثًا: كيف تُعيد العشرُ الروحَ إلى الأمة؟

1) تُعيد الأمة إلى الذكر بعد الغفلة:

لقد أرهقت الدنيا القلوب، حتى أصبحت كثيرٌ من الأرواح تعيش جفافًا إيمانيًّا مخيفًا.

فتأتي العشر لتوقظ القلوب بالقرآن، والتكبير، والدعاء، والصيام، والصدقة.

قال ﷺ: «ما من أيامٍ العملُ الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام». (رواه البخاري (969).

حين يسمع العبد هذا الحديث يشعر أن أبواب السماء فُتحت من جديد، وأن الله ما زال يدعوه للعودة.

2) تُعيد للأمة معنى التضحية:

في الحج والأضحية يتعلم المسلم أن الدين ليس كلماتٍ فقط، بل بذلٌ وتضحية.

نتذكر إبراهيم عليه السلام وهو يقدِّم أعظم معاني الطاعة، ونتذكر إسماعيل وهو يستسلم لأمر الله.

قال تعالى:﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: 103].

الأمم لا تنهض بالترف والراحة، بل تنهض بالتضحية، والصبر، والإيمان.

3) تُعيد للأمة الأمل بعد الانكسار:

في كل عام تأتي العشر لتقول للأمة:

مهما اشتدت الظلمات… فإن نور الله قادم.

الحجيج يأتون من كل فجٍّ عميق، بملابس واحدة، وقلوبٍ خاشعة، ودموعٍ صادقة، فيرى المسلم صورةً مصغرةً ليوم الحشر، فيتذكر الآخرة، ويصغر في عينه كل طغيان الدنيا.

قال الغزالي في احياء علوم الدين: "إذا رقَّ القلب بالذكر انكشفت له حقائق الدنيا، والآخرة". (الغزالي : ج4، ص337).

 

رابعًا: الأمة لا تحتاج إلى ضجيج… بل إلى قلوبٍ حية

مشكلتنا الكبرى ليست قلةَ الإمكانات فقط، بل موتُ القلوب، وضعفُ اليقين، وفقدانُ المعنى.

ولهذا فإن التكبير الحقيقي ليس الذي يخرج من الحناجر فقط، بل الذي يهزُّ الضمير، ويوقظ الإرادة، ويُعيد الإنسان إلى الله.

كم من أمةٍ كانت ضعيفةً ماديًّا لكنها انتصرت بقوة الإيمان!

وكم من أمةٍ امتلكت المال، والسلاح لكنها سقطت حين ماتت روحها!

قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، [الرعد: 11].

خامسًا: دروس عملية للأمة في أيام العشر:

1) إحياء التكبير في البيوت والمجتمعات:

حتى تعود الهوية الإيمانية حيّةً في النفوس.

2) تربية الأبناء على تعظيم الله:

فأعظم أزمةٍ يعيشها الجيل هي ضعف تعظيم الله في القلوب.

3) استثمار العشر في المصالحة والتوبة:

فالأمة التي تتصالح مع الله يُصلح الله شأنها.

4) تحويل العبادة إلى مشروع نهضة:

فالعبادة الحقيقية تُنتج أخلاقًا، ووعيًا، ووحدةً، وعطاءً.

 

الخاتمة

يا أمةَ الإسلام: إن التكبير الذي يخرج من قلبٍ صادق قد يُحيي أمةً كاملة، كبِّروا الله في بيوتكم، في مساجدكم، في قلوبكم، في أزماتكم، في خوفكم، في آلامكم. 

قولوا للعالم كلِّه: الله أكبر من الظلم… الله أكبر من الطغيان… الله أكبر من اليأس… الله أكبر من كل قوةٍ على وجه الأرض.

فإذا عاد التكبيرُ صادقًا إلى القلوب، عادت الروحُ إلى الأمة.

 

أبيات ختامية 

 

اللهُ أكبرُ… كم أيقظتَ من أممٍ        كانتْ تُجرُّ إلى التَّيهاتِ والوَهَنِ

اللهُ أكبرُ… كم أحييتَ من قَلَبٍ       قد ماتَ بينَ ركامِ الهمِّ والحَزَنِ

اللهُ أكبرُ… صوتُ الحقِّ مُرتفعٌ       يُحيي الشعوبَ بروحِ العزمِ والفِطَنِ

في العشرِ تُبعثُ أرواحٌ مُطهَّرةٌ        كأنها الفجرُ بعد الليلِ والمِحَنِ

يا أمةَ الوحيِ عودي نحو خالقِكِ           فالعزُّ يبدأُ بالإيمانِ والسُّننِ

اللهُ أكبرُ… لا خوفٌ ولا جزعٌ          ما دامَ ربُّ السما يُحيي لنا الأملَ

فانهضي اليومَ، فالتكبيرُ ملحمةٌ           تُعيدُ للأمةِ التاريخَ، والمُثُلَ.

 

اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام ،اللهم فرج كرب المكروبين وانصر عبادك المؤمنين في كل مكان يارب العالمين،اللهم امين .

.

د. عيد كامل حافظ النوقي

داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم