مقالات تربوية

رمضان

قلوب على مائدة القرآن في رمضان / المقال الثالث عشر: بدر حين تصنع القلة المؤمنة تاريخ الأمة

قلوب على مائدة القرآن في رمضان / المقال الثالث عشر: بدر حين تصنع القلة المؤمنة تاريخ الأمة

 

أولًا: رمضان شهر التحولات الكبرى في تاريخ الأمة:

لم يكن رمضان في تاريخ الأمة الإسلامية شهر عبادة فردية فحسب، بل كان مدرسة تغيير وصناعة نصر. ففيه نزل القرآن، وفيه فتحت مكة، وفيه وقعت معركة بدر الكبرى التي غيرت مسار التاريخ الإسلامي.

قال الله تعالى:﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾[آل عمران: 123]. 

قال الإمام ابن كثير في تفسيره: أي كنتم قلة في العدد والعدة، ومع ذلك نصركم الله بقوته لا بقوتكم. (ابن كثير:1999م، ص94).

وهنا تتجلى سنة ربانية عظيمة: النصر لا يصنعه العدد، بل الإيمان والصدق والقيادة الراشدة. 

ثانيًا: بدر معركة العقيدة قبل أن تكون معركة السلاح:

وقعت بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ، وكان عدد المسلمين 313 رجلاً، بينما بلغ جيش قريش ألف مقاتل.

لكن ميزان المعركة لم يكن ميزان القوة المادية.

قال الله تعالى:﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[البقرة: 249]

قال الإمام الطبري في جامع البيان: هذا تعليم للأمة أن النصر مرتبط بالإيمان والطاعة لا بالكثرة. (الطبري:2001,، ص231).

ثالثًا: أسرار النصر في بدر:

1️- القيادة النبوية الحكيمة:

كان النبي ﷺ قائدًا عسكريًا وروحيًا في آنٍ واحد، فقد أخذ بالمشورة العسكرية، كما فعل مع الصحابي الحباب بن المنذر في اختيار موقع المعركة.

قال ابن حجر في فتح الباري: وفيه دليل على جواز الاستفادة من خبرات الجنود وأهل الاختصاص. (ابن حجر العسقلاني:1959م،ص289).

2️- التربية الإيمانية العميقة:

وقف النبي ﷺ ليلة بدر يدعو الله طويلًا: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض" حتى سقط رداؤه من شدة الدعاء. (مسلم، صحيح مسلم، كتاب الجهاد، حديث رقم 1763).

قال الإمام الغزالي الاحياء: الدعاء سلاح المؤمن، وهو أعظم أسباب النصر. (الغزالي:2005م، ص318).

3️- الإيمان بوعد الله:

نزلت الملائكة تثبيتًا للمؤمنين.قال تعالى:﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾[الأنفال: 9].

قال الزمخشري في تفسبره الكشاف: كان نزول الملائكة تثبيتًا لقلوب المؤمنين وإرهابًا للعدو. (الزمخشري:2006م، ص143). 

رابعًا: بدر رسالة للأمة في عصر الضعف:

إن بدر ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل منهج نهضة للأمة.

بدر ليست حادثة عسكرية فحسب، بل هي إعلان ميلاد الأمة الرسالية. 

خامسًا: دروس بدر في واقع الأمة اليوم:

1️- النصر يبدأ من إصلاح النفوس:

قال تعالى:﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾[آل عمران: 160]. 

2️- الوحدة أساس القوة:

قال الإمام الشافعي: ما تفرقت أمة إلا ذهبت ريحها. (البيهقي، مناقب الشافعي، ص469، 2003م.).

3️- إعداد القوة واجب شرعي:

قال الله تعالى:﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[الأنفال: 60]. 

قال القرطبي: القوة تشمل القوة العسكرية والاقتصادية والعلمية. (القرطبي:1964,ص 164). 

سادسًا: بدر أمل الأمة المتجدد:

إن ذكرى بدر تعيد للأمة الثقة بوعد الله.

قال تعالى:﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾[الروم: 4]. 

وقال ابن رجب الحنبلي: الأمة التي صنعت بدر قادرة على صناعة بدر جديدة إذا عادت إلى القرآن. (ابن رجب الحنبلي، ص275، 1996م.). 

الخاتمة:

إن بدر تقول للأمة: القلة المؤمنة إذا صدقت مع الله تصنع التاريخ.

والأمة التي تربت على القرآن لا يمكن أن تهزم مهما طال ليل الضعف.

فلنعد إلى: القرآن، الوحدة، الإيمان، إعداد القوة

حتى يتحقق وعد الله:﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾[النور:55].

.

د. عيد كامل حافظ النوقي

داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم