حكايات تربوية

من جدول ضائع إلى نهر لا ينضب

من جدول ضائع إلى نهر لا ينضب

في قرية تنساب بين تلال الصبر ووادي الأمل، عاش رجل كانت أحلامه أثقل من جيبه. كلما امتلىء الجيب بقروش الشهر، انتفضت الفواتير كالطيور الجائعة فلقت عليها بلحظات.

ذات مساء بينما كان يراقب النهر الأعظم ينساب بلا توقف، رأى شجرة زيتون عجوز تحتها رجل يرقص بخطى ثقيلة. لم يكن رقصا من فرح، بل كمَنْ يحفر بقدميه خنادق لتصريف المياه.

سأل الرجل: أترقص مع الظل؟ 

ابتسم الرجل العجوز وقال: بل أعلم الأمواج كيف ترقص في مجراها.

أحس الرجل أن هذه المقولة تحمل في طياتها سرًّا ما. فجلس إلى جانبه.

مد العجوز يده إلى الجدول الصغير الذي يتفلت من النهر الأعظم. قال: هذا الجدول يشبهك.

نظر الرجل فرأى جدولا يتشقق من العطش، ماؤه يتسرب بين الصخور ليروي أعشابا برية لا ينتفع بها.

لماذا يضيع الماء هكذا؟

لأنه لا يعرف إلى أين يريد أن يذهب. أجاب العجوز. النهر الأعظم يعرف أن مصبه في البحر، لكن هذا الجدول ولد ضائعًا.

أخذ العجوز غصنًا ورسم على الأرض خريطة: دعنا نعرف أولًا من أين تبدأ. انظر إلى مائك، من أين يدخل، وإلى أين يذهب.

في اليوم التالي، جاء الرجل إلى العجوز ووجهه متجهم. لقد رأيت الحقيقة. مائي يضيع كما يضيع ندى الصباح.

ابتسم العجوز وأخرج من جيبه كيسًا من القماش. الآن حان وقت الزرع.

فتح الكيس فإذا فيه بذور مختلفة الأحجام. اختار العجوز بذرة صغيرة وقال: هذه شجرة تين ستثمر بعد سنة. ثم أخرى متوسطة: وهذه نخلة تحتاج خمس سنوات. ثم بذرة كبيرة: وهذه جوزة ستعمر مئة عام.

لكن أيها سأزرع؟ سأل الرجل الحائر.

كلها! لكن كل بذرة تحتاج خندقها الخاص، وماءها المحدد، ووقتها المختلف.

فهم الرجل. فكتب على أوراق الشجر: أهداف السنة، وأحلام الخمس سنوات، وأماني العمر.

بعد أسابيع، عاد الرجل إلى العجوز وهو يحمل وعاءً خشبيًّا. لقد صنعت قنوات من الخشب! قال بحماس.

وضح كيف قسم ماءه: قناة للبذور الصغيرة، وأخرى للبذور الكبيرة، وثالثة لبئر يحفرها للأيام العجاف.

جيد! قال العجوز. لكنك نسيت قناة رابعة.

أي قناة؟

قناة للتصدق بالماء. فالنهر الذي لا يروي ظمأ عابر سبيل، يصبح بحرا ميتا.

وذات ليلة هبت عاصفة شديدة. كسرت الريح القنوات الخشبية، وقلعت بعض البذور.

جاء الرجل إلى العجوز باكيًا: لقد دمرت كل شيء!­­­­­­

ابتسم العجوز: هل رأيت كيف تنحني شجرة الصفصاف في العاصفة؟ إنها لا تقاوم بل ترقص مع الريح.

أخذ الرجل يصلح ما أفسدته الريح، لكنه هذه المرة صنع قنوات مرنة، ووضع البذور في أماكن أكثر أمنًا.

بعد سنوات أصبح الرجل شيخًا يجلس تحت شجرة الزيتون، وأصبح هو العجوز جاءه شاب حائر يسأل عن سر نهره الذي لم يعد يجف أبدًا.

قال الشيخ: سر النهر إنه لا يحاول أن يشرب نفسه. إنه ينساب فقط.

ثم مد يده إلى جدول صغير كان يضيع بين الصخور، ووجهه إلى أرض خصبة. تعال، سأعلمك الرقصة.

فهم الشاب أنه ليس هناك من سر سوى أن تعرف من أين تبدأ، وإلى أين تذهب، وأن تترك للريح حقها في العبث بمجراك أحيانًا، ثم تعود إلى الرقص من جديد.

.

د. علي يلماز

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم