تقارير

الهجرة النبوية

خطوات الاستفادة من المواقف التربوية لأحداث الهجرة النبوية

خطوات الاستفادة من المواقف التربوية لأحداث الهجرة النبوية

ملخص دراسة علمية للباحثة وفاء حسن الثقفي      

كانت البشرية قبل بعثة النبي -ﷺ- تعيش في فوضى واضطراب نتيجة لانحرافاتها العقدية والتشريعية، وتميزت شخصية الرسول -ﷺ- بصفات خَلقية وخُلقية سامية كانت لها أكبر الأثر في انتشار الإسلام ودخول الناس فيه.

الهجرة النبوية لم تتم جزافًا، وإنما كانت لها مقدمات وأسباب أدت إلى حدوثها، منها: الاضطهاد والتعذيب الذي نال الرسول -ﷺ- وصحابته، ومنها الخوف من تجميد الدعوة في محيط واحد.

وفي دراسة علمية للحصول على درجة الماجستير للباحثة وفاء حسن الثقفي بعنوان "المواقف التربوية المستنبطة من أحداث الهجرة النبوية"، تناولت الدراسة المواقف التربوية المستفادة من الهجرة، موضحة أن مواقف النبي -ﷺ- في هجرته تعتبر ملحمة أخلاقية ودينية وتربوية، حفلت بالكثير من مواقف الإخلاص والتوكل والنصر والإيثار والتضحية والصحبة والزهد والعفو وكتمان السر، وغيرها الكثير مما فيه غذاء روحي لمن اطلع عليه من المربين.

وتعرضت الباحثة لتحليل أحداث الهجرة النبوية؛ لإبراز المواقف النبوية التربوية، خاصة وأن أحداث العصر الراهن تحتاج إلى تعميق هذه المواقف في أذهان الأجيال المعاصرة؛ ليروا بعضًا من آثار التربية المحمدية، وكيف أنها أعطت للبشرية أروع مثال، وأكمل قدوة، وأعظم صورة حية لدين الله، وليستفاد منها في إرساء السلوكيات الصحيحة التى جاءت بها التربية المحمدية.

أهم مواقف الهجرة ودور المؤسسات التربوية في استثمارها:

للنبي -ﷺ- في هجرته مواقف تربوية عظيمة، جديرة بأن نقف عندها وقفة تحليلة، لنرى ألوانًا زاهية من الإخلاص والتوكل والأمانة والصبر وحب الأوطان وغيرها:

1- الإخلاص لله تعالى:

الإخلاص، ثمرة من ثمرات التوحيد الخالص لله تعالى، وإذا أخلص العبد في إيمانه فإن ذلك ينعكس على سائر أعماله، والإخلاص من أعمال القلوب التي لا يعلمها إلا الله تعالى، وخلو القلب من الإخلاص يجعل الإنسان عبدًا لأهوائه وشهواته، والهجرة النبوية فيها العديد من المواقف التي تجسد إخلاص الرسول ليكون لنا نبراسًا نقتدي به في حياتنا:

الموقف الأول:

يتجلى إخلاص الرسول -ﷺ- يوم هجرته عند خروجه من بيته والمشركون متربصون به وبدعوته، ولكنه يخرج غير مكترث بسيوفهم وغاياتهم، هذه القوة الروحية هي ثمرة من ثمرات الإخلاص، مستمدة من سمو الغاية التي أخلص لها نفسه، وحرّر لها إرادته.

الموقف الثاني:

يتجلى إخلاص الرسول -ﷺ- عند خروجه من مكة، أحب أرض الله إلى الله، وأحبها إليه -ﷺ- وله في ربوعها ذكريات جميلة، فبالرغم من حبه لها ورغبته في قضاء كل حياته فيها، إلا أن إخلاصه لدعوته وخوفه من انحصارها جعله يضحي بها ليسلَم دين الله وينتشر.

الموقف الثالث:

عندما لاذ رسول الله - ﷺ- وصاحبه أبو بكر –رضي الله عنه- بالغار، وأقبل فتيان قريش بسيوفهم وعصيهم وراءه يبحثون في كل اتجاه، وسمع أبو بكر -رضي الله عنه- وقع أقدامهم فأوجس خيفة بدنو شبح الموت من رسول الله ﷺ، فهمس في أذن النبي ﷺ: "لو أن أحدهم نظر قدميه أبصرنا تحت قدميه"، فرد عليه الرسول -ﷺ- في سكينة واطمئنان: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما".

خطوات لتعميق الإخلاص في نفوس الأبناء:
  • ينبغي على الأسرة أن تعمل على إثارة بواعث الإخلاص في نفوس أبنائها، والمتمثلة في الإيمان بالله تعالى.
  • توجيه الأهل أنظارَ أبنائهم إلى الظواهر الحسية الموجودة حولهم، وإشعارهم بأنها من صنع الله تبارك وتعالى؛ فيثيرون عقولهم للتأمل والتفكير في آيات الله في الكون مما يفضي بهم إلى معرفة الله سبحانه.
  • على الأسرة تعويد الأبناء على استشعار معية الله -عز وجل- ورقابته في كل وقت، وأنه معهم حيثما كانوا.
  • أن تنتهج الأسرة مع أبنائها أسلوب التذكير الدائم برقابة الله تعالى.
  • على الأبوين أن يكونا قدوة أمام أبنائهما في إخلاصهما لله -جلَّ وعلا- وخضوعهما له وتطبيق تعاليم الإسلام.
  • ينبغي على المدرسة أن تحث عامليها على الإخلاص في أعمالهم وأقوالهم، ليكونوا قدوة للتلاميذ.
  • على المؤسسات التربوية حسن اختيار وإعداد المعلمين، لتخرج لنا معلمين متسامين بمهنتهم.

      2- التوكل على الله:

التوكل هو اعتماد القلب على الله، واستناده إليه، وسكونه إليه بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش لأسباب، ولا سكون إليها، بل يخلع السكون إليها من قلبه، وترى الباحثة أنه لعلو شأن التوكل فقد جعله الله ثمرة من ثمرات الإيمان بالله تعالى، وشعارًا للمؤمنين الصادقين يمتازون به عمن سواهم.

الموقف:

عندما خرج الرسول -ﷺ- من بيته والمشركون متربصون به، متأهبين للفتك به والقضاء على دعوته، لم يساوره الخوف، ولم يخالج صدره شك ولا قلق في أن الله يعصمه من الناس، هذه القوة النفسية ثمرة من ثمرات التوكل على الله تعالى، فالرسول -ﷺ- مؤمن بأن الله معه حيث كان، وأنه ناصره على مشركي قريش.

خطوات تنمية فضيلة التوكل في النفوس:
  • أدرك الصحابة حقيقة التوكل على الله سبحانه وتعالى، واستقرت في نفوسهم، فكانوا أشجع الناس، ويدل على ذلك المد الإسلامي الذي تحقق على يد هؤلاء الصحابة.
  • على المربي أن يربي المتعلم على عدم الحذر من الموت؛ ليتحقق جانب من جوانب التفوق الذي حققته الجماعة المسلمة في ذلك العصر.
  • على كل مربٍ أن يكون عمله لله تعالى، بعيدًا عن الاندفاع الحماسي غير المدروس، وإنما بتخطيط منظم.
  • توجيه الطفل في مرحلة الطفولة لفضيلة التوكل؛ لأن قلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة.
  • على الوالدين الانتباه إلى ما يُنقش في نفوس أبنائهم، والعمل على غرس مفهوم التوكل.
  • على الآباء استثمار ضعف الأطفال، وعجزهم الذاتي، واعتمادهم عليهم في طلب المعونة والأمن عليهم استثمار ذلك في غرس مفهوم التوكل على الله -عز وجل- في نفوسهم.
  • على الوالدين استغلال المواقف الواقعة في حياة أبنائهم، وتعويد أبنائهم على التوكل على الله تعالى، والأخذ بالأسباب.
  • على المدرسة أن تنمي فضيلة التوكل في نفوس أبنائها من خلال المناهج الدراسية وغيرها.
  • كما يجب على المدرسة أن تحث عامليها على ضرورة اتخاذ الأسباب لتحقيق الأهداف التعليمية المرجوة.
  • المعلم الجيد هو من يوجه طلابه إلى اتخاذ بعض الأسباب التي تعينهم على المذاكرة والاجتهاد.

 3- الأمانة:

الأمانة: هي رعاية حقوق الله تعالى، بتأدية الفرائض والواجبات وترك المحرمات، وحفظ حقوق العباد، والأمانة هى محور العهد الذي أخذه الله -سبحانه وتعالى- على بني آدم، وأخذ من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم، وترى الباحثة أن أمانة الدين الإسلامي من أولى الأمانات التى يتوجب على المرء رعايتها والمحافظة عليها.

والأمانة من أقوى الدعائم التي يقوم عليها المجتمع المسلم، لذلك تنظر إليها التربية الإسلامية نظرة عميقة في كونها الأساس الذي يقوم عليه تنظيم شئون الحياة كلها، من عقيدة وأدب ومعاملة وسياسة حكيمة وحسن خلق، وبها يسمو المجتمع ويتماسك بنيانه.

الموقف:

عندما عزم رسول الله -ﷺ- على الهجرة لم يأخذ أمانات المشركين ولم يبدلها، ولكنه خلّف وراءه علي بن طالب -رضي الله عنه- ليرد عنه الودائع والأمانات التى كانت لقريش في حوزته، وأمره أن يرد الأمانات إلى أهلها.

خطوات تنمية فضيلة الأمانة في النفوس:
  • أهمية تدريب المتعلم على تحمل المسئولية وصقل طاقاتهم واستعدادتهم إلى ما فيه خيره وخير مجتمعه.
  • ينبغي على الوالدين أن يتقوا الله –تبارك وتعالى- فى أبنائهم، فالأبناء أمانة أودعها الله عندهم.
  • تقتضي الأمانة أن يعمل الآباء على ترسيخ العقيدة الإسلامية في نفوس أبنائهم من الصغر.
  • على الأسرة أن يكونوا أمناء على أوقات أبنائهم، فالوقت أمانة ويجب استغلاله فيما يفيد من الخير.
  • فالإسلام يدرك قيمة الوقت، لذلك يحرص على شغل الإنسان شغلا كاملًا منذ يقظته وحتى نومه.
  • على الآباء تعويد أبنائهم منذ الصغر على الاهتمام بالوقت، وبكل لحظة من حياتهم.
  • على الآباء أن يحثوا أبناءهم على التزام الأمانة فى حياتهم العامة، وأن يتلمسوا نتائجها التي تعود عليهم.
  • وعلى الآباء أن يكونوا قدوة لأبنائهم، فلا يأمرونهم بالأمانة وهم يضيعونها.

نتائج:

  • البشرية قبل البعثة المحمدية كانت تعيش في فوضى واضطراب نتيجة لانحرافاتها العقدية والتشريعية.
  • جميع الجاهليات في كل زمان ومكان تتشابه إلى حد كبير في فقدان التصور الإلهي الصحيح.
  • شخصية الرسول -ﷺ- تميزت بصفات خَلقية وخُلقية سامية، كان لها أكبر الأثر في انتشار الدعوة.
  • الرسول -ﷺ- تدرج في دعوته حسب قانون الارتقاء والتطور إلى عدد من المراحل "السرية والجهربة".
  • الهجرة النبوية لم تتم جزافًا، ولكن كانت لها أسباب ومقدمات أدت إلى حدوثها، أهمها الاضطهاد.
  • الهجرة من الناحية النفسية هي عملية انتقال من عبادة غير الله إلى عبادة الله تعالى، ونبذ كل التصرفات السلبية التي لا تمت للمجتمع بصلة.
  • للإخلاص آثار نفسية كبيرة على الفرد، أهمها الشعور بالسكينة والطمأنينة والراحة.
  • التوكل أثر من آثار الإيمان بالله تعالى، والوالدين لهم دور كبير في تبصير الأبناء بأن الله بيده تصريف الحياة والموت، ليرى بقدر الله.
  • النصر هبة من الله تعالى لعباده المؤمنين إذا هم حققوا منهج الله قولًا وعملًا.
  • الأمانة ضرورية لتنظيم شئون الحياة، وتقع على عاتق الأسرة والمدرسة إبراز أهمية الأمانة في حياة الأمة.
  • العفو له آثار إيجابية على الفرد، فيجب على الوالدين غرس هذه الصفات في أبنائهم.
  • كتمان السر له آثار إيجابية على المستوى الفردي والجماعي.
  • الصحبة لها أثر كبير على تشكيل سلوك الأفراد، والأسرة مطالبة برقابة أبنائها ووقايتهم من قرناء السوء، وتوجيههم إلى اختيار الصحبة الصالحة، ذات الأخلاق الحسنة.
  • الإيثار له أثر كبير في تأليف القلوب وتماسك المجتمع، والأسرة والمدرسة لهما دور كبير في إحياء هذه الصفة ونبذ الأثرة والأنانية من النفوس ليتحقق لنا المجتمع المثالى.
  • لطاعة الله أثر إيجابي في تماسك المجتمع، ويقع على الأسرة والمدرسة غرس هذه الصفة في نفوس الأبناء.
  • الإسلام لا ينكر حب الوطن، ولكنه يتخذه كوسيلة عبور لغاية أفضل وهي تحقيق عبودية الله تعالى.
  • قيام الأسرة والمدرسة بدورهما المنوط بهما في تطبيق تلك المواقف التربوية سيؤدي إلى إعداد الإنسان الصالح الذي تسعى إليه التربية الإسلامية.

توصيات:

  • الاهتمام بالعقيدة الإسلامية وغرسها في نفوس الناشئة حتى تتحقق على أثر ذلك الحياة الطيبة.
  • الاهتمام بالجانب التطبيقى لهذه المواقف في حياة الناشئة، وتوجيههم إلى إدراك أهمية الهجرة، وتعويدهم على السلوكيات التى تضمنتها تلك المواقف.
  • عقد دورات تدريبية للمعلمين، لرفع مستواهم العلمي وإكسابهم القدرة على التحليل التربوي للسيرة النبوية.
  • على المسئولين عن التربية والتعليم إعادة بناء مناهج التربية الإسلامية بحيث تعرض السيرة النبوية بجانبيها النظري والتطبيقي.
  • العمل على جعل جميع المؤسسات التربوية والتعليمية والاجتماعية أداة فاعلة لنشر هذه المواقف بين أبناء المجتمع.
  • مواصلة المزيد من الكتابة حول السيرة النبوية المطهرة، ومحاولة إبراز ما تحمله من مواقف وسلوكيات تربوية، لإنارة الطريق للأمة لتطبيقها في مسيرة حياتهم اليومية.

 

 

 

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم