مقالات

سيناء.. ذاكرة النصر وبوابة الأمل

سيناء.. ذاكرة النصر وبوابة الأمل

سيناء ليست ذكرى بل رسالة

في الخامس والعشرين من أبريل من كل عام، لا تستعيد مصر الحبيبة  مجرد ذكرى وطنية عابرة، بل تستحضر صفحةً من أنصع صفحات الكبرياء العربي، يوم عادت سيناء إلى حضن الوطن بعد سنوات من الاحتلال والصراع، لتثبت للعالم أن الأرض التي تُروى بدماء الشهداء لا تضيع، وأن الأمة التي تعرف قيمة ترابها لا يمكن أن تنكسر مهما اشتدت عليها المحن.

إن تحرير سيناء لم يكن مجرد استرداد قطعة من الأرض، بل كان استردادًا للكرامة، وإعلانًا تاريخيًا أن الإرادة المصرية حين تتوحد تتحول إلى قوة تصنع المستحيل، وأن الشعب الذي صبر على الألم قادر على أن يحول الهزيمة إلى نصر، والانكسار إلى نهضة، واليأس إلى ميلاد جديد.

وقد جاء يوم أكتوبر المجيد ١٩٧٣م  ليؤكد أن مصر ليست دولة عادية في التاريخ، بل هي قلب الأمة النابض، وحصنها الراسخ، وسيفها إذا استلزم الأمر، وضميرها إذا غابت الأصوات. فقد لقنت مصر العالم درسًا خالدًا في أن الإيمان بالحق يصنع المعجزات، وأن الجندي المصري حين يحمل عقيدته ووطنه في قلبه يصبح أكبر من كل الحسابات العسكرية.

 

أولًا: سيناء.. أكثر من أرض

سيناء ليست مجرد مساحة جغرافية على الخارطة، بل هي رمز لمعنى الانتماء، وصورة للصمود، ومرآة لروح الأمة حين ترفض الاستسلام.

هي الأرض التي مرّ عليها الأنبياء، وتنفست رمالها رسالات السماء، وكتب فوق جبالها تاريخ الإيمان والصبر.

ولذلك فإن تحريرها لم يكن حدثًا سياسيًا فقط، بل كان رسالة حضارية تقول:

إن الأمة التي تستطيع أن تسترد أرضها، تستطيع أن تسترد مجدها.

 

ثانيًا:حين هبّت مصر تغيّر وجه التاريخ

لم تكن مصر في يوم من الأيام دولة هامشية في تاريخ الأمة، بل كانت دائمًا حين تنهض يتغير مسار الأحداث، وحين تتحرك تعود للأمة كرامتها.

فعندما اجتاح المغول العالم الإسلامي وأسقطوا بغداد، وظن الناس أن الأمة انتهت، خرجت مصر بقيادة السلطان  سيف الدين قطز ومعه القائد بيبرس لتقف في وجه الطوفان، وفي معركة عين جالوت  كتبت مصر واحدة من أعظم لحظات التاريخ الإسلامي، حين أوقفت الزحف المغولي الذي أرعب العالم، وأعلنت أن الأمة لا تزال قادرة على النهوض.

وقبل ذلك، عندما تكالبت الحملات الصليبية على المشرق، كانت مصر بقيادة السلطان صلاح الدين هي التي أعادت توحيد الصفوف، ومهّدت الطريق لتحرير القدس  بعد معركة حطين  لتثبت أن مصر إذا هبّت تحولت إلى حصن الأمة ودرعها.

وفي العصر الحديث، حين ظن العدو أن الهزيمة قد كسرت الروح العربية، جاءت حرب أكتوبر لتؤكد أن مصر قادرة على كسر الغطرسة، وتحطيم أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وفتح باب الأمل من جديد أمام الأمة كلها.

وهكذا عبر القرون ظلّت الحقيقة ثابتة: إذا نهضت مصر نهض معها التاريخ، وإذا انتصرت شعر الجميع أن الأمة مازالت حيّة.

 

ثالثًا:مصر في الصدارة دائمًا

عبر التاريخ، بقيت مصر في مقدمة المشهد العربي والإسلامي، لا لأنها الأكبر عددًا فقط، بل لأنها الأعمق أثرًا، والأقوى حضورًا، والأكثر رسوخًا في وجدان الأمة.

فإذا نهضت مصر نهضت معها الأمة، وإذا استقرت استقرّت المنطقة، وإذا قويت شعر الجميع أن للأمة سندًا لا يميل.

واليوم في ظل ما تمر به المنطقة من اضطرابات، وانقسامات، وأزمات متلاحقة، تتجه الأبصار مرة أخرى نحو مصر، لأنها بقيت دائمًا الدولة التي تستطيع أن توازن بين الحكمة والقوة، وبين الثبات والرؤية، وبين التاريخ والمستقبل.

 

رابعًا :من تحرير سيناء إلى تحرير الإنسان

إن أعظم ما يمكن أن نتعلمه من ذكرى تحرير سيناء أن التحرير الحقيقي لا يبدأ من الأرض فقط، بل يبدأ من الإنسان نفسه:

تحرير العقول من الهزيمة.

تحرير الإرادة من التبعية.

تحرير القرار من الارتهان.

تحرير الأمة من اليأس.

فالأرض قد تتحرر بالسلاح.

لكن الأمة لا تتحرر إلا بالوعي.

الأمل في عودة الريادة.

رغم ما يحيط بالأمة من تحديات، فإن ذكرى سيناء تهمس في القلوب بأن المستقبل ليس ملكًا لليائسين، بل لأصحاب الرؤية والإيمان والعمل.

ومصر بما تملكه من تاريخ، وموقع، وثقل، وشعب، ومؤسسات، قادرة بإذن الله أن تبقى في الصدارة، وأن تكون ركيزة في مشروع نهضة عربية وإسلامية جديدة تعيد للأمة دورها ورسالتها.

فالريادة ليست حلمًا بعيدًا، بل قدر أمة عرفت يومًا كيف تقود العالم بالعلم، والعدل، والحضارة.

 

خامسًا: رسالة سيناء للأمة

إن سيناء اليوم لا تروي فقط قصة نصر مضى، بل تكتب رسالة للمستقبل تقول:

إذا استطاعت مصر أن تستعيد أرضها، فإن الأمة تستطيع أن تستعيد مكانتها، إذا صدقت النوايا، وتوحدت الصفوف، واستيقظت الأرواح.

 

خاتمة

في ذكرى تحرير سيناء، لا نحتفل بحدث من الماضي فقط، بل نجدد الإيمان بأن الأمة التي أنجبت رجال العبور قادرة أن تنجب رجال النهضة، وأن الوطن الذي عرف معنى التضحية قادر أن يصنع مستقبلًا يليق بتاريخه.

سلام على سيناء، وسلام على مصر، وسلام على أمة ما زال في قلبها، نبض العودة، ووعد الريادة.

.

د. عيد كامل حافظ النوقي

داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم