الأسرة

ملــف أولادنــا

جمع الصحابة بين الحزم والرفق في تعويد أبنائهم على العبادة

جمع الصحابة بين الحزم والرفق في تعويد أبنائهم على العبادة

يتردد كثير من الآباء أمام سؤال العبادة عند الأبناء: "إن ألزمتُه بالصلاة والصيام خشيت أن يكره الدين، وإن تركتُه خشيت أن يضيع." وكأن الأمر خياران لا ثالث لهما: إما شدة تُنفّر، وإما تساهل يُضيّع. والحقيقة أن الحزم والرفق ليسا طرفي ميزان واحد؛ الحزم يتعلق بالغاية التي لا نتنازل عنها، والرفق يتعلق بالطريق الذي نسلكه إليها. وأجمل ما يُرى فيه ذلك مشهدٌ من بيوت الصحابة.

 

مشهد من بيوت الصالحين

يصف ملف "اجعلوا بيوتكم قبلة" عناية الصالحين والصالحات بالطاعات والعبادات، فيقول إنهم كانوا يحرصون على اصطحاب الصغار لشهود صلاة الجماعة، وكان الصحابة يصوّمون أبناءهم ويحملونهم إلى المساجد، ويلهونهم بلعب العهن عن الجوع والعطش حتى ينقضي يوم الصيام.

وهذا هو الحديث الذي تروي فيه الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ رضي الله عنها صيام عاشوراء: "فكنا نصومه بعد، ونصوّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العِهْن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه حتى يكون عند الإفطار" (متفق عليه).

تأمل هذا البيت: الصيام قائم لا يُلغى ولا يُؤجَّل لأن الطفل يجوع. لكن الطفل لا يُترك وحده في جوعه، ولا يُوبَّخ إذا بكى، وإنما يُعطى لعبة من الصوف تشغله حتى يحين الإفطار. حزمٌ في المبدأ، ورفقٌ في الوسيلة.

 

ما الذي نتعلمه من هذا المشهد؟

1) الغاية لا تُلغى، لكن الطريق إليها يُعبَّد. لو قيل لنا: "يبكي من الجوع فلنترك الصيام" لخسرنا الغاية، ولو قيل: "يبكي فلنتركه يبكي" لخسرنا قلبه. فكان الحل أن يبقى الصيام ويُيسَّر على الطفل.

2) الوسيلة تُختار من عالم الطفل. اللعبة من الصوف لغةٌ يفهمها الصغير. فالتربية الناجحة تستعمل أدوات الطفل لا أدوات الكبار: حكاية، لعبة، مشاركة في تجهيز الإفطار، تجربة نصف يوم.

3) الحضور قبل الأمر. الصحابة لم يقولوا لأبنائهم "اذهبوا إلى المسجد"، بل حملوهم معهم. فالتعويد على العبادة يبدأ بأن يرى الطفل أباه وأمه في العبادة، وأن يكون معهما.

4) التدرج بحسب الطاقة. صيامٌ لساعات يزيد ويقصر بحسب ما يطيقه الصغير، ثم يتدرج به صاحبه حتى يستكمل اليوم. فلا يُطالَب الصغير بما يُطالَب به الكبير.

 

الأب والأم الذي يحتاجه هذا المنهج

ويصف الملف نفسه الصفات المطلوبة في هذا الجو التربوي: "الأب الحليم وليس العنيد. والصديق وليس العدواني. والأب المتوازن مع الأبناء. والأم صمّام الأمان والتقوى والرحمة في تكوين شخصية الأبناء." فمنهج "لعبة العهن" لا يقوم إلا في بيت يجمع بين هيبة الأب الحليم وحنان الأم الرحيمة.

وهو تكليفٌ من الله لا خيار فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]. وقال النبي ﷺ: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته... والرجل راعٍ في بيته ومسؤولٌ عن رعيته".

 

كيف نطبّقه اليوم؟

  • صوم التجربة: اتفق مع طفلك على ساعات من الصيام يطيقها، وجهّز له "لعبته": كتاب مصور، أو لعبة هادئة، أو مشاركة في طبخ الإفطار.
  • صلاة معًا: خذه معك إلى المسجد أو صلِّ به في البيت، وقف بجانبه ولا تقف خلفه تراقبه.
  • لا تجعل البكاء هزيمة: إذا ضجر أو تعب فاعتبر ذلك علامة تحتاج إلى وسيلة أرفق، لا دليلًا على أن الغاية خاطئة.
  • ثبّت المبدأ بهدوء: "نحن نصلّي" و"نحن نصوم" عبارات تُقال بحنان لا بصراخ.
  •  

كيف تعرف أن الميزان استقام؟

أن يجد طفلك في العبادة أُنسًا قبل أن يجد فيها إلزامًا، وأن يعرف مع ذلك أن كلمتك فيها لا تُتجاوز. فإن وجد الأُنس دون الإلزام مال إلى التسيّب، وإن وجد الإلزام دون الأُنس مال إلى النفور.

 

خاتمة

لا تسألْ نفسك: هل أشدّد أم ألين؟ بل اسألها: ما الغاية التي لا أتنازل عنها؟ وما اللعبة التي ستوصله إليها دون أن يبكي قلبه؟ وهكذا فعل الصحابة: صوّموا الصغار، ولم ينسوا لعبة العهن.

 

 

اقرأ أيضًا: الدين النصيحة

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم