مقالات تربوية

أتتوكل أم تتبطل؟ الفرق بينهما خطوة إلى السعي

أتتوكل أم تتبطل؟ الفرق بينهما خطوة إلى السعي

سمعنا جميعًا من يقول لمن ضاقت به الحال: "توكّل على الله"، وربما سمعنا من ينصح آخر بالانقطاع عن الدنيا "زهدًا". وبين العبارتين ينشأ فهمان مغلوطان يتسلّلان إلى بيوتنا وأبنائنا: أن التوكل معناه الجلوس، وأن الزهد معناه كراهية المال. وكلاهما ليس من الإسلام في شيء.

 

الغلط الأول: أن التوكل تبطّل

يقرّر الفهم الصحيح للإسلام أن التوكل على الله لا يكون بالتبطّل، وإنما يكون بالأخذ بالأسباب وانتظار النتائج من الله. فمن ترك الأسباب فليس بمتوكل، ومن اعتمد على الأسباب وحدها فليس بمتوكل؛ لأن الرزق والمقدور مقرونان بالسعي الدائب.

وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا بالطير: "لو أنكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا" (رواه الترمذي وأحمد). والطير لا يبقى في عشّه ينتظر؛ إنه يغدو، أي يخرج ويطلب، ثم يعود شبعان. فالتوكل الذي في الحديث حركةٌ بقلبٍ مطمئن.

 

الغلط الثاني: أن الإسلام يحبّ الفقر ويذمّ الغنى

وليس الزهد في الإسلام تحبيب الناس في الفاقة والفقر، ولا ذمّ الدنيا والغنى والثروة. إنما يُذمّ ما يدعو إلى الطغيان والفتنة والإسراف، وما يدعم الاستعلاء والاستكبار، وما يعين على الإثم والمعصية والفجور والكفران بنعمة الله. أما المال الصالح فهو قوام الحياة، ومن ثم يتعيّن الحرص عليه وحسن تدبيره وتثميره.

والإسلام يلفت النظر إلى ما في الوجود من منابع الثروة ووجوه الخير، ويحثّ على العناية بها واستثمارها؛ لأن كل ما في الكون مسخّر للإنسان ينتفع به. وقد أشاد بغنى الجماعة واستخدام المال فيما ينفع الناس ويرضي الله.

 

العمل عبادة، والبطالة مذمومة

ومن أسس هذا الفهم إيجاب العمل والكسب على كل قادر عليه. فالعمل من أفضل العبادات، وهو من سنن الأنبياء الذين كانوا يأكلون من عمل أيديهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أكل أحدٌ طعامًا قطّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإنّ نبيّ الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده" (رواه البخاري).

والإسلام يزري بالبطالة وبمن يعيشون عالةً على المجتمع لا يعملون، ولو كانوا منقطعين لعبادة الله. فالعبادة التي تُسقط الإنسان من ميدان العمل وتجعله عبئًا على غيره ليست هي المطلوبة.

 

والكسب لا بدّ أن يكون طيبًا

ويُقابل وجوب العمل تحريم موارد الكسب الخبيثة، وحدّها أن يكون الكسب:

  • بغير مقابل من عمل، كالربا.
  • بغير حق، كالسرقة واختلاس مال الغير، سواء كان فردًا أو جماعةً أو مالًا عامًّا.
  • عوضًا عن محرّم ضارّ، أو عن صفقات تضرّ بحقوق الجماعة وأوضاعها.

فالمسلم لا يسأل: كم أكسب؟ فحسب، بل يسأل أولًا: من أين؟

 

ماذا نفعل في البيت والصف؟

  • علِّم أبناءك أن اليد العاملة شرف. أشركهم في عمل البيت وفي مشروعات صغيرة تدرّ عليهم كسبًا حلالًا، ليتعلموا أن المال ثمرة جهد.
  • صحّح العبارة قبل أن تصحّح السلوك. إذا قال ابنك "توكلت على الله" وهو لم يذاكر، فاسأله: وما السبب الذي أخذتَ به؟
  • لا تجعل الزهد قناعًا للكسل. قدوتك في الزهد أصحابُ أموالٍ أنفقوها في سبيل الله، وأصحابُ كدحٍ لم يمدّوا أيديهم.
  • اربط الكسب بالعطاء: فالمال الصالح الذي يُنفَق فيما ينفع الناس هو غنى الجماعة الذي أشاد به الإسلام.

 

خاتمة

التوكل قلبٌ مطمئنٌّ إلى الله ويدٌ تعمل، والزهد قلبٌ لا يتعلّق بالدنيا ولو كانت في يده. فمن جمع بين السعي والطمأنينة، والكسب الحلال والإنفاق الكريم، فقد فهم الدين فهمًا يُنهض الفرد والأسرة والأمة.

 

 

اقرأ أيضًا: خمسة حقوق للجسد لا يهملها المربي

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم