عرّف أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه العدل تعريفًا موجزًا بليغًا: "وضع الأمور في مواضعها". وبمقتضى ذلك يكون الظلم نقيضه: "وضع الأمور في غير مواضعها". وقد وسّع الراغب الأصفهاني رحمه الله هذا المعنى فقال: "الظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء وضع الشيء في غير موضعه المختصّ به، إمّا بنقصانٍ أو بزيادة، وإمّا بعدولٍ عن وقته أو مكانه".
ثلاثة أنواع من الظلم
ثمّ قسّم الحكماء الظلم إلى ثلاثة أقسام، كلٌّ منها يستحقّ وقفة:
الأوّل: ظلمٌ بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه الكفر والشرك والنفاق؛ ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. لأنه وضعٌ لحقّ الله في غير موضعه؛ إذ صرف العبادة التي لا تُصرف إلا لله إلى غيره.
والثاني: ظلمٌ بين الإنسان وبين الناس، وإياه قصد القرآن بقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: 42]، وهو أن يأخذ الإنسان حقًّا ليس له، أو يمنع غيره حقًّا هو له.
والثالث: ظلمٌ بين الإنسان وبين نفسه، وإياه قصد القرآن بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 32]، وقول آدم عليه السلام وزوجه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23].
والمفاجأة: الثلاثة في الحقيقة ظلمٌ للنفس
ثمّ يأتي التقرير الأعمق: "وكلّ هذه الثلاثة في الحقيقة ظلمٌ للنفس؛ فإن الإنسان في أوّل ما يهمّ بالظلم فقد ظلم نفسه، فإن الظالم أبدًا مبتدئٌ في الظلم". وهذا ما قرّره القرآن في غير موضع: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: 33].
فتأمّل المعنى: حين تظلم أخاك، فأنت أوّل من تضرّه أنت؛ لأنك تُلوّث قلبك وتُثقل ميزانك وتضع نفسك موضع المساءلة. وحين تُشرك بالله، فأنت لا تضرّ الله شيئًا، بل تضرّ نفسك أعظم الضرر. وحين تفرّط في صحتك أو وقتك أو واجباتك، فأنت تظلم نفسك بوضع حقّها في غير موضعه. فكلّ ظلمٍ — أيًّا كان ضحيّته الظاهرة — يرتدّ على فاعله أوّلًا.
لماذا هذا الفهم يغيّر نظرتنا؟
لأنه يُحوّل العدل من واجبٍ ثقيل إلى مصلحةٍ ذاتية. فمن فهم أن الظلم يبدأ بظلم النفس، لم يعد يرى العدل تضحيةً يبذلها لأجل الآخرين، بل حمايةً لنفسه من أن يكون أوّل ضحايا ظلمه.
ولأنه يكشف مواضع ظلمٍ لا ننتبه إليها. فكثيرٌ منّا يحرص ألّا يظلم الناس، لكنّه لا يفكّر في ظلم نفسه: حين يُهمل عبادته، أو يُضيّع صحته، أو يُدفن مواهبه، أو يُقيم على معصيةٍ يعلمها؛ فهذه كلّها وضعٌ لحقّ النفس في غير موضعه.
ولأنه يُذكّر بأن الظلم له أثرٌ على المجتمع كلّه. فالقرآن يحدّثنا عن "هلاك وتدمير مجتمعاتٍ بكاملها نتيجةً للظلم السائد بينهم": ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء: 11]. فـ**"ما ساد الظلم في مجتمعٍ إلا وحلّ معه الفساد والجور والاضطراب وانعدام الأمن، وما حلّ العدل في مجتمعٍ إلا وحلّ معه الصلاح والخير والأمن والسلام"**.
كيف نطبّق هذا في حياتنا؟
راجع نفسك بالأنواع الثلاثة. اسأل: هل أنا ظالمٌ في حقّ الله (بتقصيرٍ في فريضة، أو شركٍ خفيّ كالرياء)؟ أم في حقّ الناس (بغيبةٍ، أو أكلٍ لحقّ، أو تأخيرٍ لأجرٍ)؟ أم في حقّ نفسي (بإهمالٍ، أو معصيةٍ، أو تضييعٍ لوقتٍ وطاقة)؟
اجعل "وضع الأمور في مواضعها" سؤالًا يوميًّا. فحين تواجه قرارًا، اسأل: ما موضع هذا الأمر الصحيح؟ هل أعطيتُ كلّ ذي حقٍّ حقّه — ربّي، ونفسي، وأهلي، وعملي، وجيراني؟
لا تُقلّل من أثر الظلم الصغير. فمن اعتاد أن يضع الأمور في غير مواضعها في الصغائر، سهل عليه ذلك في الكبائر؛ فالعدل عادةٌ تُبنى بالتفاصيل الصغيرة.
علّم أبناءك أن العدل حمايةٌ لهم أنفسهم. فحين يفهم الطفل أن الظلم يرتدّ على فاعله أوّلًا، يتعلّم العدل لا بوصفه قيدًا يُفرض عليه، بل بوصفه ما يحفظ قلبه من أن يتلوّث.
خاتمة
الظلم ثلاثة: مع الله، ومع الناس، ومع النفس؛ وكلّها في الحقيقة تبدأ بظلمك نفسك. فمن أراد أن يحمي نفسه فليحمِ العدل في كلّ علاقاته؛ ومن أراد السلام الداخلي فليضع كلّ أمرٍ في موضعه: حقّ الله لله، وحقّ الناس للناس، وحقّ النفس للنفس. وبذلك يتحقّق قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾.
اقرأ أيضًا: حِلف الفضول: حين أثنى النبي ﷺ على تحالف عُقد قبل أن يُبعث
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.