الإسلام منهج شامل للحياة
إن اعتقادنا وتصورنا أن منهجنا الإسلامي لا يتحقق إلا جماعيا – كما ذكرنا من قبل -، وأن الفرد مهما حاول في ذاته وبذل من مجهودات فإنه لن يحققه، بل هو في خسران مبين، تتخطفه الطير، ولن يحقق المجتمع الذي يصبو إليه، ولذلك أقسم المولى فقال:﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ [سورة العصر]، لذا يجب عليه أن يعي أن المجتمع المسلم يقوم على معتقدات معينة وله أهداف محددة، ويقوم على أساس إيماني يجعله يستلهم مصدرا معينا للهداية حتى يحدد خطة للتصرف بادئا من أبسط الشؤون اليومية إلى القيام بأمر الحكم والدولة، ومن ثم فإن شخصا يملك أرقى المواهب الإدارية ثم يفتقر في تكوينه الإيماني والفكري، إلى التلقي من منبع الهداية – الكتاب والسنة – ليحدد منطلقه لا شك أنه لا يصلح لشيء من القيادة في مجتمع المسلمين .
إن الدعوة الإسلامية لا تبنيها النصوص والنظم والهياكل فحسب؛ إنما يرفع قواعدها ويثبت أركانها المؤمنون بها الداعون إليها المضحون من أجلها والعاملون لتحقيق أهدافها قال تعالى:﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾[الأحزاب: 23].
أهمية إعداد القيادات الإسلامية
نحن -في الحقيقة- نحتاج إلى إعداد القوّاد في ميادين السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع وغيرها من ميادين الحياة، ولا يكفي أن يتمتع هؤلاء بالحذق والكفاءة الأكاديمية والفنية في مجالاتهم، بل يلزم أن يكونوا متجردين لإسلامهم، مؤمنين به، ذوي عزم وتصميم على وقف كل قواهم وجهدهم للبعث الإسلامي والنهوض بالمسلمين، لا يكتفون بالكلام، وطرح الأفكار بل لابد أن يكون معه العمل، بل ويكونون في مقدمة العالمين.
إننا حين نذكر أبابكر –رضي الله عنه– نذكر الصدق معه، وإذا ذُكر عمر -رضي الله عنه- ذُكر العدل، وإذا ذكر عثمان رضي الله عنه ذكر الحياء والكرم، وإذا ذُكر علي -رضي الله عنه- ذُكر الجهاد والتضحية والفداء والقوة والشجاعة، وهكذا حتى تكون هذه المعاني من الناحية التربوية في متناول الجميع الذين يعزمون على الارتقاء إليها.
ومما يدعو للأسف أن العالم الإسلامي لم يحقق حتى الآن كفايته من هذا النمط من القادة، فمازلنا نعاني نقصًا شديدًا، ونواجه حاجة ماسة في كل مجالات الحياة إلى أمثال هؤلاء الأشخاص الذين يمكن أن يصلوا إلى مستويات القيادة الإسلامية، وإن كانت الحركة الإسلامية في طريقها لمحاولة تحقيق ما يمكن من ذلك، بالرغم من العوائق التي تحول دون ذلك حتى الآن، والحرب المستعرة ليل نهار لإفشال المشروع الإسلامي، وما حدث في مصر خير شاهد على ذلك.
أثر التعليم الغربي بعد الاستعمار
ففي أثناء فترة حكم الاستعمار أدخل نظام جديد للتعليم في غالبية البلاد المحتلة بغرض تخريج موظفين مخلصين للعلمانية الغربية، وانتهوا إلى تقطيع أواصر ارتباطهم الفكري مع باقي المسلمين الذين ظلوا على استمساكهم بالإسلام، وحين تحقق الاستقلال وصل الحكم إلى هؤلاء الطغمة القليلة من ذوي الصبغة العقلية العلمانية، ومن ثَمَّ بدأ الصراع بين هؤلاء والقوى الإسلامية في كل البلاد، واضطر هؤلاء أخيرًا كي يرضوا الناس أن يرفعوا شعار الاشتراكية، والرأسمالية، وغيرها؛ تضليلًا للمسلمين، لدرجة تقبلهم الشيوعية كبديل. أما الإسلام فكان شيئًا بغيضًا بالنسبة لهم، ومازالت هذه الطبقة عقبة كؤودا في طريق الإسلام إلا أنها ترخى قبضتها تدريجيا أمام ظهور القوى الإسلامية، واضطراد قوتها بانتشارها بين الناس جميعًا بشتى طبقاتهم.
وذلك أن سبب عدم توفير الكفاءات القيادية المطلوبة في المجتمع المسلم، تمثل في هذه القرون من الركود والتبعية التي تركت المسلمين متخلفين تماما عن ركب العلوم وفنون الأداء التكنولوجي، وغيرها من النظم الحديثة، وبرزت الحاجة إلى تعليم عالٍ، فلما كانت فترة ما بعد الاستقلال لم يكن بد من ابتعاث الأبناء إلى جامعات البلدان الخارجية خاصة الغربية لتحصيل ما يتيسر من علوم وفنون وتدريب، ونظم التعليم في هذه البلاد قائم على أيديولوجياتهم ويستهدف إيجاد قيادات لمجتمعاتهم طبقا لتصوراتهم العلمانية، فأشربوا أسلوب القيادة الغربية التي تفصل الدين عن شؤون الحياة، وهي في تناقض واضح مع تعاليم الإسلام.
فضلًا عن أن هؤلاء اصطدموا بأصحاب الاتجاه الإسلامي؛ فنكلوا بهم، وآذوهم، وسجنوهم، بل وقتلوهم، ومازالوا يصدون عن السبيل وهم مستكبرون﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾[الشعراء: 227].
.