في شهر رمضان، شهر الصفاء، والإنابة، والرجوع إلى الله، تتنزل الرحمات، وتُفتح أبواب الجنان، وتُغلق أبواب النيران، وتصفو القلوب من أدرانها. غير أن هناك بابًا خفيًّا من أبواب البركة يغفل عنه كثيرون، وهو برُّ الوالدين؛ ذلك العمل الجليل الذي قرنه الله بتوحيده، وجعله مفتاحًا لرضاه، وسببًا في سعة الرزق، وطول العمر، وتيسير الأمور.
رمضان ليس امتناعًا عن الطعام ،والشراب فحسب، بل هو إعادة ترتيبٍ لأولويات القلب ،وأولها: رضا الله، ثم رضا الوالدين.
أولًا: برُّ الوالدين في القرآن الكريم
قال تعالى:﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا…﴾[الإسراء: 23].
جاء الأمر ببرِّ الوالدين مباشرة بعد التوحيد، في أعظم سياقٍ عقدي، دلالةً على عِظم منزلته، وأنه ليس خلقًا اجتماعيًا فحسب، بل عبادة يتقرّب بها العبد إلى ربه.
وقال سبحانه:﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ…﴾[لقمان: 14]
دلالة بلاغية:
جمع الله بين شكره ،وشكر الوالدين؛ لأن الوالدين سبب الوجود الظاهر، كما أن الله هو الخالق والموجد حقيقةً. فكما لا يليق بالعبد أن يكفر نعمة الله، لا يليق به أن يجحد فضل والديه.
قال الإمام ابن كثير في تفسيره: "أي كما ربيّاك صغيرًا، فاشكر لهما عند كبرهما."
فبرُّهما ليس ردَّ جميلٍ فحسب، بل وفاءٌ لسنواتٍ من السهر والتعب والبذل الصامت.
ثانيًا: برُّ الوالدين في السنة النبوية
١)عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي ﷺ: "أي العمل أحب إلى الله؟" قال: "الصلاة على وقتها" قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين." (متفق عليه)
تأملوا الترتيب: الصلاة، ثم البر. وكأن البر امتدادٌ عمليٌّ لمعنى الصلاة، وتجسيدٌ لأثرها في السلوك.
٢)وقال ﷺ: "رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد."، (رواه الترمذي، وصححه الألباني)
فالبر ليس مجرد خلق كريم، بل طريقٌ مباشر إلى رضا الله، والعقوق ليس مجرد تقصير، بل بابٌ من أبواب سخطه.
ثالثًا: ثمرات برِّ الوالدين
1) سعة الرزق وطول العمر:
قال ﷺ: "من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه." (متفق عليه).
وبرُّ الوالدين أعظم صلةٍ للرحم، وأولاها.
2) تفريج الكروب:
في حديث أصحاب الغار المشهور، كان أحدهم بارًّا بوالديه، فكان برُّه سببًا في تفريج كربتهم وانفراج الصخرة.
3) بركة العمر والعمل:
كم من إنسانٍ قليل الدخل، عظيم البركة!
وكم من صاحب مالٍ وفير، قليل السكينة!
الفرق في دعوة أمٍّ صادقة، أو رضا أبٍ مطمئن.
4) استجابة الدعاء:
دعاء الوالدين مستجاب، كما في الحديث الشريف.
وكم من نجاحٍ دراسي، أو توفيقٍ مهني، أو زواجٍ ميسر، كان خلفه دعاء أمٍّ في جوف الليل.
رابعًا: جزاء عقوق الوالدين
العقوق من أكبر الكبائر.
قال ﷺ:"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟" قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين…" (متفق عليه)
آثار العقوق:
_ضيق الصدر.
_قسوة القلب.
_تعثر الأمور.
_حرمان البركة.
_تعجيل العقوبة في الدنيا قبل الآخرة.
قال بعض السلف:
"ما برَّ والدَه أحدٌ إلا وُفِّق، ولا عقَّه أحدٌ إلا خُذل."
والعقوق ليس ضربًا أو سبًّا فقط، بل قد يكون في نظرة ضجر، أو كلمة تأفف، أو تجاهلٍ بارد.
خامسًا: لماذا يتضاعف أثر البر في رمضان؟
لأنه شهر مضاعفة الأجور.
لأنه شهر صلة الأرحام.
لأن القلوب فيه ألين وأقرب للتوبة.
لأن لحظات السَّحر وقت استجابة دعاء.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين:
"صلاح الباطن أصل صلاح الظاهر."
وبرُّ الوالدين من أعظم مفاتيح صلاح الباطن.
في رمضان، قد تصوم المعدة…
لكن البر يصوم اللسان عن التأفف، ويصوم القلب عن القسوة.
سادسًا: قصة مؤثرة
رُوي أن رجلًا كان يطوف بالكعبة حاملاً أمه على ظهره، ويقول لابن عمر رضي الله عنهما: "أتراني جزيتها؟" فقال: "ولا بزفرةٍ واحدة."
أي أن آهةً من آهات الولادة لا يعادلها حمل العمر كله.
ما أعظم التعب الذي ننساه…
وما أقسى الجحود حين نكبر!
سابعًا: البر في واقعنا اليومي
برُّ الوالدين ليس خطبةً تلقى، بل سلوك يُعاش:
الإصغاء إليهما دون مقاطعة.
خفض الصوت.
عدم مجادلتهما بحدّة.
تفقد حاجاتهما الصحية والغذائية في رمضان.
الجلوس معهما وقت الإفطار.
إدخال السرور عليهما ولو بابتسامة.
كم من بيتٍ امتلأ نورًا لأن الابن قال:
"سامحيني يا أمي."
وكم من رزقٍ فُتح لأن الابنة قبّلت يد أبيها قبل الفجر.
أبيات شعرية:
أطِعْ والديكَ وكنْ برًّا بهما ففي رضاهما سرُّ المُنى
دعاؤهما في الليل إن همسا يفتحُ في السماءِ لك السُّنا
ما خابَ عبدٌ باتَ راضيًا وأمُّهُ عنهُ قد رضينا
واجب عملي في رمضان:
اتصل بوالديك يوميًا قبل الإفطار إن كنت بعيدًا.
اكتب لهما رسالة امتنان.
تصدق عنهما ولو بالقليل.
استغفر لهما في قيام الليل عشر مرات على الأقل.
إن كانا متوفيين: أكثر من الدعاء لهما، وصِلْ أصدقاءهما وأقاربهما.
وصية:
تذكّر أن دعوةً صادقةً من أمٍّ في جوف الليل قد تغيّر مسار حياتك.
وتذكّر أن العقوق لا يُمحى بسهولة، وأن رمضان فرصة ذهبية لإصلاح ما فسد.
لا تنتظر حتى تقول: ليتني فعلت.
الخاتمة :
يا من تبحث عن البركة في رزقك، وعن السكينة في قلبك، وعن القبول في عملك… فتِّش عن أمك وأبيك.
رمضان مدرسة، وأول دروسها أن تُقبِّل يد من كانت سببًا في وجودك، وأن تقول بقلبٍ خاشع:﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾[الإسراء: 24]
اللهم ارزقنا برَّ والدينا أحياءً وأمواتًا، واجعل رضاهم طريقًا لرضاك، ولا تجعل في قلوبنا ذرة عقوق، واجعل رمضان شاهدًا لنا لا علينا.
اللهم فرجًا لأهلنا في غزة والسودان يارب العالمين.
المراجع:
١)ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، 1999م.
٢)أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، 2005م.
٣)الإمام النووي، رياض الصالحين، دار السلام، 2000م.
٤)صحيح البخاري، دار ابن كثير، 2002م.
٥)صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، 2001م.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية