في بيوتنا — وفي أحيائنا — أناسٌ يعانون في صمت. لا يمدّون أيديهم، ولا يشتكون، ولا يظهر عليهم من الفقر شيء؛ فيمرّ بهم الناس ويحسبونهم في خير. وقد لفت القرآن الكريم نظرنا إلى هذه الفئة بدقّةٍ بالغة: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273].
حاجةٌ لا تُعلَن
فتأمّل هذا الوصف: "يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف". فمن لا ينتبه لا يرى حاجتهم أصلًا، لأن تعفّفهم يُخفيها؛ أمّا من يعرف "تعرفهم بسيماهم" — أي بعلاماتٍ دقيقة لا يلتقطها إلا المنتبه — فيُدرك أنهم محتاجون. وقد أوصى القرآن بأن "الانتباه للفقراء المتعففين" من صميم العدالة الاجتماعية؛ فـالطبقات المحرومة والضعيفة وأصحاب الدخل المحدود بحاجة إلى دعمٍ ومساعدة كي يستطيعوا أن يعيشوا بكرامةٍ وعزّة.
والعبارة الأخيرة تستحقّ الوقوف: "بكرامةٍ وعزّة". فالمقصود من العطاء ليس سدّ الجوع وحده، بل حفظ الكرامة في أثناء ذلك.
ما الذي يعنيه هذا لتربية أبنائنا؟
أن نعلّمهم مهارتين تُكمّل إحداهما الأخرى: الانتباه، والعطاء بكرامة.
الانتباه: أن يروا ما لا يُعلَن. فالطفل الذي يتعلّم أن يلحظ زميلًا في الصفّ لا يُحضر طعامًا كافيًا، أو جارًا ثيابه قديمة جدًّا رغم نظافتها، أو قريبًا لا يشتكي رغم ضيق حاله، ينشأ بعينٍ يقظةٍ لا تمرّ على الألم الصامت. وهذه مهارةٌ تُدرَّب؛ فاجعل الحديث عن "من حولنا" عادةً في بيتك: هل لاحظتَ أن فلانًا لم يُشارك في الرحلة؟ هل تساءلتَ لماذا لم يأتِ جارنا مناسباتنا؟
العطاء بكرامة: ألّا يُجرح من يأخذ. فمن أدقّ ما نعلّمه أن العطاء ليس تفضّلًا يُعلَن، بل أمانةٌ تُؤدّى بلطف. فعلّم ابنك أن يُعطي بطريقةٍ لا تُشعر الآخذ بالمنّة: هديةٌ مغلّفة بحجّة مناسبة، أو دعوةٌ للطعام كأنها ضيافةٌ عادية، أو مساعدةٌ تأتي بلا أن يعرف أحدٌ مصدرها. فالفقير المتعفّف أشدّ ما يُؤلمه أن يُشعَر بفقره.
خطواتٌ عملية في البيت
علّمهم أن يسألوا "من لم نره؟". فبعد كلّ مناسبةٍ أو رحلةٍ أو عيد، اسألهم: هل هناك من غاب عنّا ولم نسأل عنه؟ فقد يكون غيابه علامةً على حاجةٍ لا يُعلنها.
أشركهم في العطاء الخفيّ. فحين تُرسلون طعامًا أو هديةً لمحتاج، اجعلوا أبناءكم يشاركون في الإعداد والتغليف، وعلّموهم ألّا يتحدّثوا بذلك أمام الآخرين؛ فهذا يعلّمهم قيمة الإخفاء.
درّبهم على اللطف في اللسان. فلا يسألوا من يظنّون أنه محتاج: "هل أنت فقير؟" بل علّموهم أن يعرضوا العون بصيغةٍ تحفظ كرامة الآخر: "نحن عندنا زيادةٌ من هذا، هل تحبّ أن تأخذ منها؟".
ربِّهم على ألّا يستعلوا على من يأخذ. فمن أعطى لا يرى نفسه فوق من أخذ؛ بل يعلم أن الله هو المعطي الحقيقي، وأنه مجرّد وسيلة. وقد قال الله: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19]؛ فسمّاه حقًّا لا تفضّلًا.
كونوا أنتم القدوة. فحين يرى أبناؤكم أنكم تلاحظون من حولكم وتعطون بصمتٍ ولطف، يتعلّمون ذلك بالمشاهدة، لا بالموعظة.
خاتمة
أشدّ الفقراء حاجةً أحيانًا من لا يعلنون حاجتهم؛ فلا يرى حالهم إلا من يتأمّل "سيماهم". فربِّ أبناءك على عينٍ تلتقط الألم الصامت، ويدٍ تعطي دون أن تجرح؛ فبهذين معًا تتحقّق عدالةٌ اجتماعية صغيرةٌ في محيطك، يعيش فيها كلّ محتاجٍ "بكرامةٍ وعزّة".
اقرأ أيضًا: خمسة أشياء لا يُفرَّط فيها ودور الأسرة في الحفاظ عليها
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.