مقالات

نفحات الجمعة : حين تضطرب الأمم... كيف يقرأ المسلم المشهد العالمي

نفحات الجمعة :  حين تضطرب الأمم... كيف يقرأ المسلم المشهد العالمي

الصراع الأمريكي الإيراني، وأحداث لبنان، ومستقبل الشرق الأوسط في ميزان السنن الربانية

 

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾[ق: 37].

في كل جمعة، يقف المسلم مع نفسه وقفة محاسبة، ويقف مع أمته وقفة تدبر، فلا يقرأ الأخبار بعين الخوف وحدها، ولا بعين الحماس وحدها، وإنما بعين الإيمان، والبصيرة، مستحضرًا قول الله تعالى:﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].

إن الشرق الأوسط يعيش مرحلة من أكثر مراحله حساسية منذ عقود، وما يجري اليوم ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل صراع تتداخل فيه المصالح العسكرية، والاقتصادية، والاستراتيجية، مع محاولات مستمرة لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، وتشير التطورات الأخيرة إلى استمرار التوتر مع وجود جهود دبلوماسية لاستئناف التفاوض، واحتواء التصعيد.

 

أولًا: أين يقف الصراع اليوم؟

شهدت الأشهر الأخيرة مواجهات عسكرية، وتصعيدًا في الخليج، أعقبته جهود لوقف الأعمال القتالية، واستئناف المفاوضات غير المباشرة، مع بقاء ملفات شائكة مثل البرنامج النووي، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، والنفوذ الإقليمي دون حسم نهائي. لذلك، فإن المنطقة تعيش حالة "هدوء حذر" أكثر من كونها سلامًا دائمًا. 

إن الهدوء الحالي لا يعني انتهاء الأزمة، بل إن كثيرًا من مراكز الدراسات ترى أن جذور الخلاف لا تزال قائمة، وأن أي حادث كبير قد يعيد التصعيد بسرعة. 

 

ثانيًا: السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: نجاح المسار السياسي:

إذا نجحت المفاوضات فقد تشهد المنطقة:

انخفاضًا في مستوى التوتر.

استقرارًا نسبيًا في أسعار النفط.

تحسنًا في حركة التجارة العالمية.

تراجع احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة.

لكن هذا السيناريو يحتاج إلى تنازلات متبادلة لا تبدو سهلة حتى الآن. 

السيناريو الثاني: استمرار الصراع البارد:

وهو السيناريو الذي يراه كثير من المحللين الأكثر احتمالًا، حيث تستمر المنافسة الإقليمية، والضغوط السياسية، والمواجهات المحدودة دون حرب شاملة.

السيناريو الثالث: اتساع الحرب:

إذا انهارت جهود التهدئة، فقد تتسع دائرة المواجهة لتؤثر في أمن الملاحة ،والطاقة والاستقرار الإقليمي، مع انعكاسات اقتصادية، وإنسانية واسعة على دول المنطقة والعالم،وهذا يبقى احتمالًا تحليليًا لا يمكن الجزم بوقوعه.

 

ثالثًا: لبنان... الحلقة الأكثر حساسية

يبقى لبنان من أكثر الساحات تأثرًا بالتطورات الإقليمية، إذ تتداخل فيه عوامل داخلية ،وإقليمية، وتؤثر عليه أي تغيرات في العلاقة بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية،وتشير التطورات الأخيرة إلى استمرار المساعي السياسية، مع بقاء التوتر الأمني في الجنوب قائمًا. 

ولذلك فإن استقرار لبنان لا يرتبط بقراراته الداخلية وحدها، بل يتأثر أيضًا بمسار التفاهمات ،والصراعات الإقليمية الأوسع. 

 

رابعًا: هل لهذه الأحداث علاقة بأشراط الساعة؟

هذا سؤال يتكرر كثيرًا.

والجواب المنهجي هو:

لقد أخبر النبي ﷺ بوقوع فتن عظيمة في آخر الزمان، لكن لا يجوز الجزم بأن الصراع الحالي هو بعينه المقصود في أحاديث أشراط الساعة، لأن النصوص لم تعين هذه الوقائع بأسمائها، ولم يثبت دليل قطعي يربطها بما يجري اليوم.

وقد حذر العلماء من تنزيل نصوص الفتن على أحداث معاصرة دون بينة؛ لأن كثيرًا من الناس فعلوا ذلك في عصور مختلفة ثم تبين خطؤهم.

لكن المسلم يستفيد من هذه النصوص في الاستعداد بالإيمان ،والعمل الصالح، لا في القطع بأن حدثًا معينًا هو تحقيق لنبوءة بعينها.

 

خامسًا: ماذا يعني هذا للأمة؟

إن أخطر ما يهدد الأمة ليس فقط الصراع الخارجي، وإنما:

الفرقة.

ضعف العلم.

النزاعات الداخلية.

التخلف العلمي والاقتصادي.

غياب التخطيط.

قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

فلا نهضة بلا إصلاح، ولا قوة بلا علم، ولا نصر بلا وحدة ،وعدل.

 

سادسًا: واجب المسلم اليوم

وسط هذا المشهد المضطرب، يكون واجب المسلم:

الإكثار من الدعاء.

تحري الأخبار من مصادر موثوقة.

تجنب نشر الشائعات.

دعم أعمال الإغاثة والخير بالوسائل المشروعة.

بناء الأسرة وتربية الأجيال على العلم، والأخلاق.

العمل للإصلاح في مجتمعه بدل الاكتفاء بمتابعة الأخبار.

 

سابعًا :نفحة الجمعة

قد تتغير خرائط السياسة، وتتبدل التحالفات، وتشتعل الحروب ثم تخمد، لكن يبقى وعد الله ثابتًا:﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، [الأعراف: 128].

فاجعل هذا اليوم المبارك فرصة لمراجعة نفسك، وأكثر من الصلاة على النبي ﷺ، وسل الله أن يحفظ بلاد المسلمين، وأن يرفع عنهم الفتن، وأن يرزقهم الأمن، والعدل، والوحدة، وأن يجنب البشرية ويلات الحروب.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

.

د. عيد كامل حافظ النوقي

داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم