مقالات تربوية

حين تسقط دعوى الاكتفاء بالقرآن الكريم

حين تسقط دعوى الاكتفاء بالقرآن الكريم

من المتفق عليه بين أهل الإسلام أن السنّة النبوية تُمثّل مع القرآن المصدرين الأساسيين لأحكام الشريعة الغرّاء. وقد قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾[النساء: 59]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾[الحشر: 7].

ومع ذلك تتجدّد بين حينٍ وآخر دعوةٌ فاسدة إلى الاكتفاء بالقرآن ونبذ السنة. والعجيب أن النبي -ﷺ- تنبّأ بهذه الدعوة وحذّر منها قبل أن تظهر؛ فأخرج أحمد وأبو داود بسندٍ صحيح عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه أن رسول الله -ﷺ- قال: "ألا إني أوتيتُ الكتاب ومثله معه"، وفي رواية ابن ماجه: "ألا وإن ما حرّم رسول الله -ﷺ- مثل ما حرّم الله". وأخرج أحمد وأصحاب السنن بسندٍ صحيح عن أبي رافع رضي الله عنه أن النبي -ﷺ- قال: "لا ألفينّ أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري ممّا أمرتُ به أو نهيتُ عنه، فيقول: لا ندري؛ ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه".

 

كيف ردّ الصحابة على هذه الدعوى؟

لم يردّ الصحابة رضوان الله عليهم بجدلٍ نظريّ، بل بأدلّةٍ عملية من صميم عبادة السائل نفسه. فقد أخرج الطبراني أن رجلًا قال لعمران بن حصين رضي الله عنه: يا أبا نُجيد، لتحدّثونا بأحاديث ما نجد لها أصلًا في القرآن! فغضب عمران وقال له: قرأتَ القرآن؟ قال: نعم. قال: وجدتَ فيه صلاة المغرب ثلاثًا، وصلاة العشاء أربعًا، وصلاة الغداة ركعتين، والأولى أربعًا، والعصر أربعًا؟ ثم قال: أوجدتم في كلّ أربعين درهمًا درهمًا؟ ثم قال: فهل وجدتم في القرآن ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]؛ وجدتم هذا: طوفوا سبعًا واركعوا ركعتين؟

فما كان من الرجل إلا أن قال: "يا أبا نُجيد، أحييتَني أحياك الله". قال الحسن: فما مات ذلك الرجل حتى كان من فقهاء المسلمين.

فتأمّل: سؤالٌ واحد بسيط ــ كم ركعةً في المغرب؟ ــ يكفي لإسقاط الدعوى كلها. فمن يصلّي خمس صلوات لا يجد عدد ركعاتها في القرآن، ومن يزكّي لا يجد المقادير، ومن يطوف لا يجد عدد الأشواط؛ فكلّها جاءت من السنة. فالسنّة هي التي تفصّل مجمل القرآن، وتوضّح مشكله، وتقيّد مطلقه، وتخصّص عامّه، وتبسط أحكامه.

 

التسليم لحكم النبي ﷺ

وليس للمسلم خيارٌ في الاستجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]. وقد أخرج الشيخان قصة خصومة الأنصاري والزبير -رضي الله عنه- في شراج الحرّة، ولمّا قضى النبي ﷺ، قال الزبير رضي الله عنه: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. فنفى القرآن الإيمان عمّن لم يقبل حكمه صلى الله عليه وسلم بلا أدنى حرج.

 

وماذا يعني هذا تربويًّا؟

أوّلًا: أن نربّي أبناءنا على تعظيم السنة عمليًّا لا نظريًّا؛ فيعرفون أن صلاتهم وزكاتهم وحجّهم ــ بتفاصيلها التي يمارسونها ــ إنما وصلتهم من طريق السنة، فتترسّخ عندهم مكانتها بالتجربة لا بالتلقين.

ثانيًا: أن نعلّمهم الردّ بالحجّة الهادئة كما فعل عمران رضي الله عنه؛ فلم يشتم ولم يشهّر، بل سأل سؤالًا يفتح العقل. فالشبهة تُعالج بالبيان لا بالتشنيع؛ وانظر إلى الثمرة: رجلٌ صار من فقهاء المسلمين.

ثالثًا: أن نحصّنهم من دعاوى تُطرح على الشاشات بأسلوبٍ برّاق؛ فمن عرف الأصل صغيرًا لم تهزّه الشبهة كبيرًا. والتحصين لا يكون بالمنع بل بالفهم.

 

خاتمة

سؤال عمران بن حصين رضي الله عنه مازال قائمًا لكلّ من يظنّ الاستغناء عن السنة ممكنًا. فربِّ أبناءك ونفسك على تعظيمها والتسليم لحكمها، وعلى الردّ بالحجّة لا بالتشنيع؛ فربّ كلمةٍ هادئة تُحيي عقلًا، فيقال لصاحبها: أحييتَني أحياك الله.

 

 

اقرأ أيضًا: لكي تستمع إلى عالم حاول أن تتأكد أنه يخشي الله

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم