المربي

أصعب لحظات العدل: حين يكون الحق ضدك أنت

أصعب لحظات العدل: حين يكون الحق ضدك أنت

للعدل في حياة المربي مواقف سهلة: أن يعدل بين متعلّمٍ يحبّه ومتعلّمٍ لا يحبّه حين لا يكلّفه ذلك شيئًا، أو أن يُنصف في أمرٍ لا مصلحة له فيه. لكنّ القرآن لا يطلب هذا العدل السهل فحسب؛ بل يرفع السقف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].

 

"ولو على أنفسكم"

فتأمّل الشرط: "ولو على أنفسكم". أي ولو كان العدل ضدّك أنت: ضدّ مصلحتك، أو ضدّ رأيك، أو ضدّ سمعتك، أو ضدّ حبّك لمن تحبّ. وهذا أصعب ما في العدل؛ لأن النفس تميل بطبعها إلى ما يوافق مصلحتها.

وقد أكّد القرآن هذا المعنى بأنه "أمرٌ للمؤمنين خاصّةً بالتشديد"؛ فمع أنه يأمر جميع الناس بالعدل، يُشدّد على المؤمنين ذلك، لأن مسؤوليتهم أعظم.

 

وما معنى العدل أصلًا؟

يُعرَّف العدل بأنه "وضع الأمور في مواضعها". ومن هذا المفهوم الواسع يتفرّع معنيان يهمّان المربي مباشرة: العدالة بمعنى رعاية الحقوق والاستحقاقات، والعدالة بمعنى نفي التمييز؛ فلا يُفضَّل أحدٌ على آخر "لأي سبب كان، كاللغة أو اللون أو المذهب أو العرق أو القبيلة" إذا تساوت المؤهّلات والاستحقاقات.

 

صورٌ لهذا العدل في ميدان التربية

في توزيع الفرص: حين يُوزَّع دورٌ أو مهمّةٌ أو منصبٌ في المحضن، فاسأل: من الأحقّ فعلًا؟ لا: من أحبّ؟ فإن كانت مؤهّلات اثنين متساوية، فلا تُقدّم أحدهما لأنه ابن صديقك أو من بلدك أو من فكرك.

في الحكم بين المتخاصمين: حين يشتكي إليك متعلّمان من بعضهما، واسمع الطرفين بالقدر نفسه من الإصغاء. فكم من مربٍّ حكم قبل أن يسمع الثاني، لأن الأوّل أقرب إلى قلبه!

في الاعتراف بخطئك أنت: وهذا هو "ولو على أنفسكم" بعينه. فإذا أخطأتَ في حقّ متعلّمٍ — ظلمتَه في تقدير، أو شككتَ فيه بغير بيّنة، أو عاقبتَه خطأً — فاعتذر صراحةً وأصلح الأمر، ولو كلّفك ذلك هيبةً مؤقّتة.

في تقدير الاستحقاق المختلف: فليس العدل أن يُعامَل الجميع بالمستوى نفسه مطلقًا؛ فالقرآن ذكر أن "مع اختلاف الاستحقاق والمؤهّلات لا مانع من الاختلاف في العطاء، بل يجب عدم المساواة حينئذٍ؛ لأن اختلاف القابليات والقدرات يستدعي اختلاف العطاء". فمن اجتهد أكثر استحقّ تقديرًا أكثر؛ ومساواة المجتهد بالمقصّر ظلمٌ للمجتهد.

 

لماذا يحتاج المربي هذا الميزان خاصّة؟

لأن متعلّميه يراقبون عدله بدقّةٍ تفوق ما يتصوّر. فالطفل والناشئ يلتقطون الظلم بحاسّةٍ فطرية قويّة؛ وقد ذُكر في المصدر أن "ليس هناك شيءٌ أشدّ وقعًا على الفطرة البشرية وإثارةً لنفرتها وكراهيتها كهضم الحقوق التي يعاني منها الضعفاء والمظلومون". فإذا رأوا مربّيهم يظلم أو يُحابي، انهارت ثقتهم به مهما حسن كلامه عن العدل.

ثمّ إن المربي قدوة؛ فما يفعله من عدلٍ أو ظلمٍ يتعلّمه متعلّموه ويمارسونه فيما بينهم. فمحضنٌ يسوده العدل يُخرّج جيلًا عادلًا، ومحضنٌ يسوده الهوى يُخرّج جيلًا يرى الظلم أمرًا مألوفًا.

 

كيف نطبّق هذا؟

راجع قراراتك الأخيرة بسؤالٍ واحد: هل كان لعاطفتي أو مصلحتي أثرٌ في هذا القرار؟ فإن وُجد، فاعد النظر.

اجعل لنفسك معيارًا معلَنًا. فحين تُوزّع تقديرًا أو فرصةً، بيّن المعيار صراحةً أمام الجميع؛ فالوضوح يمنع المحاباة ويبني الثقة.

استمع لمن تخالفه قبل أن تحكم عليه. ولو كان الحاكم الأخير هو أنت، فاستمع للطرفين.

اعترف بخطئك علانيةً عند اللزوم. فهذا أقوى ما يعلّم العدل: أن يرى متعلّموك مربّيهم يقول "أخطأت، وأنصفك".

 

خاتمة

العدل الحقّ ليس أن تُنصف من لا يكلّفك إنصافه شيئًا؛ بل أن تكون ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾. فاختبر عدلك في أصعب لحظاته: حين يكون الحقّ ضدّ مصلحتك، أو مع من لا تحبّ؛ فهناك يُعرَف المربي العادل من المدّعي، وهناك يتعلّم من يربّيهم معنى العدل حقًّا.

 

 

اقرأ أيضًا: خمسة أشياء لا يُفرَّط فيها ودور الأسرة في الحفاظ عليها

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم