جاء في القرآن الكريم: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]. والتعارف أن يعرف بعضنا بعضًا معرفةً تُثمر فهمًا وتعاونًا. وقد توقّف الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله عند هذا المقصد توقّفًا دقيقًا، وختم به حديثه عنه بقاعدةٍ نفيسة:
"التعارف الإنساني لن يتحقّق إلا في ظلّ التكريم للإنسان؛ فبغير تكريم الإنسان في هذه الأرض لا يوجد تعارف. فتكريم الإنسان هو أساسٌ للتعارف، وانتهاك كرامة الإنسان يُعدّ تناكُرًا لا تعارفًا."
وأضاف: "لا بدّ أن يحترم أهل الأرض حرّية أهلها... لأنه إذا كان أساس العلاقات الإرهاق النفسي وعدم احترام الحرّية الشخصية، لا يكون ذلك تعارفًا، بل يكون استعبادًا."
كلمةٌ لافتة: "تناكر"
لاحظ المقابلة الدقيقة: التعارف ضدّه التناكر. فحين تنتهك كرامة إنسان، لا تبقى العلاقة معه "تعارفًا ناقصًا"، بل تنقلب إلى ضدّها تمامًا: أن ينكر كلٌّ منكما الآخر، ولو ظلّتا يتحدّثان ويتعاملان في الظاهر. فالعلاقة لها اتجاهان لا ثالث لهما: إمّا أن تُنتج معرفةً وثقةً وتعاونًا، وإمّا أن تُنتج غربةً وخوفًا وانغلاقًا.
وماذا يعني هذا لعلاقة المربي بمتعلّمه؟
التربية في جوهرها تعارف: أن تعرف متعلّمك ويعرفك، فيصل إليه ما تحمله. وهذا الميزان يكشف خللًا يقع فيه بعض المربّين بحسن نيّة: أن يظنّوا أن الغاية الشريفة تُبرّر أيّ وسيلة؛ فيستعملون الضغط النفسي والتحقير والإحراج العلني والتخويف، بحجّة أنهم يريدون خيرًا للمتعلّم. فيُجيبهم هذا الميزان: إذا كان أساس العلاقة الإرهاق النفسي، فليست تربيةً بل استعباد، مهما كانت الغاية نبيلة.
علاماتٌ تدلّك: أنا في تعارفٍ أم تناكر؟
هل يستطيع متعلّمي أن يُخطئ أمامي دون خوف؟ فإن كان يُخفي أخطاءه عنّي، فبيني وبينه تناكر. التعارف يعني أن يأمنني فيُريني نفسه على حقيقتها.
هل أُصحّح له بما يحفظ كرامته؟ فالتصحيح العلني المُحرِج، والسخرية من خطئه، ومقارنته بأقرانه تحقيرًا، كلّها انتهاكٌ للكرامة وإن كان المقصود الإصلاح.
هل أحترم حرّيته في السؤال والاختلاف؟ فالمتعلّم الذي يُسكَت إن سأل أو خالف، يتعلّم أن الصمت أسلم؛ فيصير تابعًا خائفًا لا متعلّمًا واعيًا.
هل أُرهقه نفسيًّا باسم الجدّية؟ فالضغط المتواصل، والتهديد، وتحميل المتعلّم فوق طاقته ثم لومه على التعثّر، من "الإرهاق النفسي" الذي سمّاه الشيخ استعبادًا.
هل يعرفني متعلّمي إنسانًا أم سلطةً فقط؟ فالتعارف تبادل: أن تُظهر له من نفسك ما يجعله يقترب منك، لا أن تبقى جدارًا من الأوامر.
التكريم أصلُ فعّالية التربية لا زينتها
وقد يظنّ بعضنا أن احترام كرامة المتعلّم لطفٌ زائد يمكن التضحية به حين تشتدّ الحاجة إلى الحزم. والحقيقة عكس ذلك: التكريم هو الأرضية التي تنبت عليها التربية؛ فمتعلّمٌ مُهان قد يطيع، لكنّه لا يتعلّم من قلبه ولا يتبنّى القيم التي تحملها. والخوف يصنع امتثالًا مؤقّتًا يزول بزوال صاحب السلطة، أمّا التكريم فيصنع قناعةً تبقى.
وهذا لا يتعارض مع الحزم؛ فيمكنك أن تضع الحدود بصرامةٍ وأنت تحفظ كرامة من تحاسبه. الفرق بين "هذا التصرّف مرفوض" و"أنت إنسانٌ مرفوض".
كيف نطبّق هذا؟
اجعل التكريم قاعدةً قبل القاعدة. ناده باسمه الذي يحبّ، وأصغِ لسؤاله، وصحّح له خلوةً، واعترف بجهده قبل أن تنتقد نتيجته.
احفظ له حرّية السؤال والاختلاف. وعلّمه أن يُخالفك بأدب بدل أن يُلجئه الخوف إلى النفاق.
راجع وسائلك بميزان الغاية والوسيلة معًا. فلا يكفي أن تكون غايتك صالحة؛ اسأل: هل وسيلتي تحفظ كرامته أم تنتهكها؟
اجعل علاقتك به تبادلًا. فاستمع إليه كما تريد منه أن يستمع إليك.
خاتمة
سمّى القرآن التنوّع بين البشر سبيلًا إلى التعارف، وبيّن الشيخ أبو زهرة أن التعارف لا يكون إلا بتكريم الإنسان، وأن انتهاك كرامته تناكرٌ واستعباد. فإذا أردتَ أن تكون مربّيًا لا مجرّد صاحب سلطة، فاجعل كرامة متعلّمك فوق كلّ اعتبار؛ فبها يعرفك ويأمنك ويتعلّم منك، وبدونها قد تملك الامتثال لكنّك لا تملك القلب.
اقرأ أيضًا: أصعب لحظات العدل: حين يكون الحق ضدك أنت
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.