بحوث ودراسات

النظام الإسلامي ووضع غير المسلمين - المبحث الثالث

النظام الإسلامي ووضع غير المسلمين - المبحث الثالث

غير المسلمين ... واجبات

قضايا الجزية والخراج

 

يستمر العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في الحديث عن واقع عير المسلمين في المجتمع والدولة الإسلامية فيقول :

تلك هي حقوق المواطنين من غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، وهذه هي ضمانات الوفاء بتلك الحقوق. 

فما هي الواجبات التي فرضها عليهم الإسلام في مقابل التمتع بتلك الحقوق؟

فمن المقرر أن كل حق يقابله واجب.

والجواب: أن هؤلاء المواطنين “أهل الذمة” تنحصر واجباتهم في أمور معدودة، هي:

1- أداء الجزية والخراج والضريبة التجارية، وهذه هي واجباتهم المالية.

2- التزام أحكام القانون الإسلامي في المعاملات المدنية ونحوها.

3- احترام شعائر المسلمين ومشاعرهم. 

 

أما الجزية فهي ضريبة سنوية على الرؤوس، تتمثل في مقدار زهيد من المال يُفرض على الرجال البالغين القادرين، على حسب ثرواتهم. أما الفقراء فمعفون منها إعفاءً تامًا.

قال تعالى:﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا…﴾ [الطلاق: 7].

وليس للجزية حد معيَّن، وإنما ترجع إلى تقدير الإمام الذي عليه أن يراعي طاقات الدافعين ولا يرهقهم، كما عليه أن يرعى المصلحة العامة للأمة.

وقد جعل عمر الجزية على الموسرين 48 درهمًا، وعلى المتوسطين في اليسار 24، وعلى الطبقة الدنيا من الموسرين 12 درهمًا .

وبهذا سبق الفكر الضريبي الحديث في تقرير مبدأ تفاوت الضريبة بتفاوت القدرة على الدفع. 

 

ولا تعارض بين صنيع عمر وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "خذ من كل حالم دينارًا" “رواه أحمد وأصحاب السنن وحسَّنه الترمذي” لأن الفقر كان في أهل اليمن أغلب فراعى النبي صلى الله عليه وسلم حالتهم.

 

والأصل في وجوب الجزية من القرآن قوله تعالى في سورة التوبة:﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾[التوبة: 29].

ومعنى "الصغار" هنا التسليم وإلقاء السلاح والخضوع لحكم الدولة الإسلامية.

ومن السنة أن النبي -ﷺ- أخذ الجزية من مجوس البحرين، كذلك أخذ الخلفاء الراشدون الجزية من أهل الكتاب ومن في حكمهم في سائر البلاد المفتوحة واستقر العمل عليه فصار إجماعًا.

 

وأما الخراج فهو ضريبة مالية تفرض على رقبة الأرض إذا بقيت في أيديهم، ويرجع تقديره إلى الإمام أيضًا، فله أن يقاسمهم بنسبة معينة مما يخرج من الأرض كالثلث والربع مثلًا، وله أن يفرض عليهم مقدارًا محددًا مكيلًا أو موزونًا بحسب ما تطيقه الأرض كما صنع عمر في سواد العراق، وقد يقوَّم ذلك بالنقود.

والفرق بين الجزية والخراج أن الأولى تسقط بالإسلام، دون الخراج.

فالذمي إذا أسلم لا يعفيه إسلامه من أداء الخراج، بل يظل عليه أيضًا، ويزيد على الذمي الباقي على ديانته الأصلية أنه يدفع العشر أو نصفه عن غلة الأرض، بجوار دفع الخراج عن رقبتها، كما هو مذهب الأئمة الثلاثة وجمهور الفقهاء “خلافًا لأبي حنيفة” فالخراج هو بمثابة ضريبة الأملاك العقارية اليوم، والعشر بمثابة ضريبة الاستغلال الزراعي.

 

وجه إيجاب الجزية على أهل الذمة

ومن الناس من ينظرون إلى الأمور نظرة سطحية، فيحسبون الإسلام متعسفًا في فرضه الجزية على غير المسلمين.

ولو أنهم أنصفوا وتأملوا حقيقة الأمر لعلموا أن الإسلام كان منصفًا كل الإنصاف في إيجابه هذه الجزية الزهيدة.

فقد أوجب الإسلام على أبنائه “الخدمة العسكرية” باعتبارها “فرض كفاية” أو “فرض عين” وناط بهم واجب الدفاع عن الدولة، وأعفى من ذلك غير المسلمين، وإن كانوا يعيشون في ظل دولته.

ذلك أن الدولة الإسلامية دولة “عقائدية” أو بتعبير المعاصرين دولة “أيديولوجية” أي أنها دولة تقوم على مبدأ وفكرة، ومثل هذه الدولة لا يقاتل دفاعًا عنها إلا الذين يؤمنون بصحة مبدئها وسلامة فكرتها، وليس من المعقول أن يؤخذ شخص ليضع رأسه على كفه، ويسفك دمه من أجل فكرة يعتقد ببطلانها، وفي سبيل دين لا يؤمن به، والغالب أن دين المخالفين ذاته لا يسمح لهم بالدفاع عن دين آخر، والقتال من أجله.

ولهذا قصر الإسلام واجب “الجهاد” على المسلمين؛ لأنه يعد فريضة دينية مقدسة، وعبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه، حتى إن ثواب المجاهد ليفضل ثواب العابد القانت الذي يصوم النهار ويقوم الليل، ولهذا قال الفقهاء: إن أفضل ما يتقرب به المسلم من العبادات هو الجهاد.

ولكن الإسلام فرض على هؤلاء المواطنين من غير المسلمين أن يسهموا في نفقات الدفاع والحماية للوطن عن طريق ما عرف في المصطلح الإسلامي باسم “الجزية”.

فالجزية في الحقيقة بدل مالي عن “الخدمة العسكرية” المفروضة على المسلمين.

ولهذا فرضها الإسلام على كل قادر على حمل السلاح من الرجال . فلا تجب على امرأة ولا صبي؛ لأنهما ليسا من أهل القتال. 

وقد قال عمر: “لا تضربوها على النساء والصبيان” .

ولهذا قال الفقهاء: لو أن المرأة بذلت الجزية ليُسمح لها بدخول دار الإسلام تُمَكَّن من دخولها مجانًا، ويُرَد عليها ما أعطته؛ لأنه أخذ بغير حق، وإن أعطتها تبرعًا مع علمها بأن لا جزية عليها قُبلت منها، وتعتبر هبة من الهبات.

ومثل المرأة والصبي: الشيخ الكبير، والأعمى والزَّمِن، والمعتوه، وكل من ليس من أهل السلاح.

ومن سماحة المسلمين أنهم قرروا: أن لا جزية على الراهب المنقطع للعبادة في صومعته؛ لأنه ليس من أهل القتال. [انظر على سبيل المثال: مطالب أولى النهى بشرح غاية المنتهى في فقه الحنابلة ج ـ 2 ص96].

 

يقول المؤرخ الغربي آدم متز: “كان أهل الذمة -بحكم ما يتمتعون به من تسامح المسلمين معهم، ومن حمايتهم لهم- يدفعون الجزية، كل منهم بحسب قدرته، وكانت هذه الجزية أشبه بضريبة الدفاع الوطني، فكان لا يدفعها إلا الرجل القادر على حمل السلاح، فلا يدفعها ذوو العاهات، ولا المترهبون وأهل الصوامع إلا إذا كان لهم يسار” [الحضارة الإسلامية ج ـ 1 ص 69].

على أن هناك علة أخرى لإيجاب الجزية على أهل الذمة، وهي العلة التي تبرر فرض الضرائب من أي حكومة في أي عصر على رعاياها، وهي إشراكهم في نفقات المرافق العامة، التي يتمتع الجميع بثمراتها ووجوه نشاطها، كالقضاء والشرطة، وما تقوم به الدولة من إصلاح الطرق وإقامة الجسور، وما يلزمها من كفالة المعيشة الملائمة لكل فرد يستظل بظلها مسلمًا كان أو غير مسلم.

والمسلمون يسهمون في ذلك بما يدفعونه من زكاة عن نقودهم وتجاراتهم وأنعامهم وزرعهم وثمارهم، فضلاً عن صدقة الفطر وغيرها . فلا عجب أن يطلب من غير المسلمين المساهمة بهذا القدر الزهيد وهو الجزية.

ومن ثم وجدنا كتب الفقه المالكي تضع أحكام الجزية لأهل الذمة في صلب أحكام الزكاة للمسلمين. [انظر على سبيل المثال: الرسالة لابن أبى زيد مع شرحيها لابن ناجى وزروق ج ـ 1 ص331 وما بعدها، حيث وضعت الجزية في صلب أبواب الزكاة].

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم