المكتب بيئة تربوية مالية غير معلنة
يقضي الموظف ما يزيد على ثمانية ساعات يومياً في بيئة عمله، أي أن المكتب يستحوذ على ثلث حياته اليقظة أو يزيد. في هذا الفضاء المشترك تُبنى العادات وتُشكَّل القناعات وتُنقَل السلوكيات، شاء أصحابها أم لم يشاؤوا. والسلوك المالي تحديداً من أكثر ما يتشرّبه الإنسان من محيطه المهني: طريقة الإنفاق في مناسبات الزملاء، والموقف من الادخار والديون، والنظرة إلى الراتب وكفايته أو قصوره، كل ذلك يتأثر بما يسود حوله من ثقافة غير مُعلنة.
وهنا تبرز فرصة حقيقية لمن أدركها: أن يكون حضوره في بيئة العمل حضورًا تربويًّا يُغيّر ما حوله بالقدوة والكلمة في موضعها والموقف الصادق. فالنبي -ﷺ- علّم أصحابه في أسواقهم وأسفارهم وجلساتهم، ولم يقتصر التعليم عنده على المسجد والمنبر.
والملاحظ أن الثقافة المالية السائدة في أي مؤسسة تتشكّل تدريجياً من مجموع سلوكيات أفرادها، حتى تصبح عرفاً غير مكتوب يصعب مخالفته. وما يُلاحظه المتأمل أن كثيراً من الموظفين يتبنّون هذه الثقافة السائدة دون تمحيص لأن الانسياق مع المحيط أيسر من مقاومته.
وقد أشار النبي -ﷺ- إلى هذه الحقيقة الإنسانية حين قال: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالل" (أبو داود والترمذي) وإن كان الحديث في سياق الصداقة فإن أثره ينسحب على كل علاقة مستمرة منتظمة، وعلاقة الزملاء في العمل من أكثرها استمراراً وتكراراً.
أمراض مالية شائعة في بيئة العمل
لكل مجتمع أمراضه، وبيئة العمل مجتمع له أمراضه المالية الخاصة التي تتكرر في معظم المؤسسات بصرف النظر عن طبيعتها أو حجمها. والخطورة أن هذه الأمراض تسري في صمت مُغلَّفة بمسميات اجتماعية براقة كالكرم والتضامن والانتماء.
- الضغط الاجتماعي للإنفاق الجماعي، تبدأ القصة بمناسبة صغيرة، زواج زميل أو مولود جديد أو وداع مُحال للتقاعد ثم تتحول بمرور الوقت إلى نظام غير رسمي له توقعاته وضغوطه. من يتأخر في المشاركة يشعر بالحرج، ومن يعتذر يواجه نظرات الاستغراب. وهكذا يجد الموظف نفسه يُنفق في مناسبات لم يخترها بمبالغ لم يُقررها على أشخاص قد لا تربطه بهم سوى المكتب المشترك. والإسلام لم يُحرّم الهدية ولم يذمّ الكرم، غير أن الكرم الحقيقي ما صدر عن طيب نفس واختيار حر، أما ما انتُزع بالضغط الاجتماعي فهو أقرب إلى الغُرم منه إلى الغُنم.
- ثقافة المقارنة المُدمِّرة، السيارة في موقف المكتب، والساعة على المعصم، والإجازة التي يرويها الزميل بتفاصيلها كلها تُغذّي نزعة المقارنة التي حذّر منها النبي ﷺ حين قال: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم" (متفق عليه).
- الاستدانة بين الزملاء، تبدأ بسلّفني حتى آخر الشهر وقد تنتهي بعداوة لم يتوقعها أحد. الاستدانة بين الزملاء تحمل ثقلًا مضاعفًا فهي تُعقّد علاقة مهنية يومية بأبعاد مالية حساسة، وتضع المُقرض في موقف المطالب المتردد والمستدين في موقف المُحرَج الدائم. وقد أفصح النبي -ﷺ- عن هذه الحقيقة حين قال: "إن أحدكم إذا استدان حدّث فكذب، ووعد فأخلف" (البخاري).
ترويض الخوف المالي: بين التوكّل والتخطيط
إنّ ما يمنع كثيرًا من الموظفين عن سلوك الطريق المالي الرشيد الخوفُ الكامنُ في أعماقهم الخوفُ من أن يُنظر إليهم على إنهم بخلاء إذا اعتذروا عن المشاركات الجماعية. وهذا الخوف إن لم يُروّض تحوّل إلى طاغوتٍ يقود صاحبه إلى الإنفاق التبذيري حياءً أو إلى القروض الاستهلاكية هلعًا من المستقبل. وترويض هذا الخوف يقوم على ركيزتين متلازمتين: التوكّل الراسخ بأن الرزق بيد الله لا بيد الناس فيسقط بذلك الخوف من نظرة الآخرين؛ والتخطيط الواقعي الذي يمنح النفس طمأنينة بأنّ لها ملجأً من مدخراتها مهما كانت صغيرةً تكفيها شرّ الفزع عند أول أزمة. فمن فعل ذلك استطاع أن يقول "لا" للجماعة بثقة، وأن يُقدّم على الادخار بجرأة دون أن تهتزّ صورته أمام نفسه أو أمام زملائه.
مبادئ التأثير التربوي، كيف تُعلّم دون أن تُثقل؟
التربية الحقيقية فن قبل أن تكون علم، وأدقّ ما فيها توقيتاً وأصعبه تحقيقاً: أن تُوصل الأثر دون أن يشعر المُخاطَب بالوعظ وألا يبدو الناصح منتقداً والمُعلِّم متعاليًا والمهتم متدخلًا. وفي بيئة العمل تحديدًا حيث تتشابك العلاقات المهنية بحساسياتها وتوازناتها يحتاج التأثير التربوي إلى مبادئ واضحة تصون العلاقة وتُحقق الأثر معًا.
- القدوة الصامتة والتعليم قبل الكلام أبلغ ما يُعلِّمه الإنسان ما يراه الآخرون في سلوكه قبل أن يسمعوه من لسانه. حين يرى زميلك أنك تعتذر بهدوء عن المشاركة في إنفاق لا تطيقه، وأنك تتحدث عن مدخراتك باطمئنان لا بافتخار، وأنك لا تنجرف مع موجة الشراء الجماعي حين تضرب المكتب فإنه يتلقى درساً مالياً حقيقياً دون أن يشعر أنه في موقف التلميذ. وهذا هو جوهر ما كان عليه النبي ﷺ، إذ وصفه الصحابة بأنهم رأوا فيه ما تعلّموه قبل أن يسمعوه منه.
- الكلمة في موضعها، ثمة فارق جوهري بين من يتحيّن الفرص ليُلقي محاضرته المالية، وبين من يقرأ اللحظة فيضع فيها الكلمة الصحيحة. حين يشكو زميلك من ضيق ذات اليد في منتصف الشهر فتلك لحظة قد تُفتح فيها كلمة مبسّطة عن الميزانية الشهرية. وحين يتحدث آخر عن قرض استهلاكي أقدم عليه فتلك مناسبة للسؤال والاستفسار لا للحكم والانتقاد. وكان من هدي النبي ﷺ أنه كان يتخوّل أصحابه بالموعظة أي يتحرى الأوقات المناسبة ولا يُثقل عليهم.
- النصيحة سراً صون الكرامة وشرط التأثير، المال من أكثر المواضيع حساسيةً في نفس الإنسان، لأنه يمسّ كرامته وكفاءته وصورته أمام الآخرين. ولهذا فإن أي تصحيح أو توجيه مالي في حضرة الآخرين يُولّد الدفاعية لا الانفتاح، ويجعل صاحبه خصماً لا ناصحاً. قال الشافعي رحمه الله: "من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه". وهذا المبدأ أصل راسخ في أدب التربية الإسلامية، يجب أن يكون حاكماً لكل تواصل مالي بين الزملاء.
- التشجيع قبل التصحيح وبناء الثقة شرط التغيير، لا يتقبّل الإنسان نصيحة ممن لا يثق به، ولا تُؤثّر كلمة في قلب لم يُفتح بعد. ولهذا فإن بناء العلاقة الإنسانية الصادقة مع الزملاء هو الأساس الذي يجعل التأثير ممكناً لاحقاً. من يعرف عنك أنك تُشجّعه على إنجازاته وتقف معه في ضائقته وتحترم خياراته هو من سيُصغي إليك حين تتكلم عن المال وغيره.
- التأثير دعوة لا إلزام قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21-22]. وإن كان هذا خطابًا لأشرف الخلق في أعظم رسالة فكيف بمن دونه في شأن أقل؟ التذكير واجب والإلزام ليس من حقك. وحين تُدرك هذه الحقيقة إدراكاً عميقاً تتحرر من ثقل توقع النتائج وتُؤدي دورك بهدوء واطمئنان تاركاً ما وراء ذلك لله وحده.
- التفريق بين النصيحة والانتقاد، النصيحة تنبع من الرحمة وتُخاطب المستقبل، أما الانتقاد فيغلب عليه الحكم على الماضي. حين يُقدم زميلك على قرار مالي تراه خاطئاً فالسؤال الذي يجب أن تضعه أمامك: هل كلامي سيفتح له باباً للأمام أم سيُثقل عليه ما مضى؟ وهل موقعي منه وتوقيتي ولهجتي تجعل كلامي مقبولًا أم مرذولًا؟ النصيحة المقبولة التي لا تُؤثّر، خير من النصيحة الصحيحة التي تُقفل القلوب.
- متى تتكلم ومتى تصمت؟ ضابط بسيط يُعين على هذا التمييز: تكلّم حين يُسألك، أو حين تعلم قطعاً أن صمتك سيضرّ من تُحب، أو حين تجد فرصة طبيعية لا تكلّف فيها. واصمت حين يكون الكلام مجرد إفراغ لحماسة ذاتية، أو حين يكون الآخر في حالة دفاع لا استقبال. وخير ما يُرشدك في هذا التمييز ما قرّره العلماء في أدب الأمر بالمعروف وهو أن يغلب على ظنك أن كلامك سيُفيد لا يضر، وأن الإفادة المرجوة أكبر من المفسدة المتوقعة.
أدوات عملية لتحويل المكتب إلى بيئة تعلّم مالي
المبادئ وحدها لا تكفي ما لم تتجسّد في أدوات يومية قابلة للتطبيق. والجميل أن تحويل بيئة العمل إلى فضاء تربوي مالي لا يحتاج ميزانية ولا صلاحيات إدارية يحتاج فقط إنساناً واعياً يُحسن توظيف ما هو متاح من فرص ومساحات.
- المحادثة العفوية أصغر الأدوات وأعمقها، لا تستهن بجملة تقولها على هامش اجتماع، أو فكرة تُلقيها في طريق القهوة الصباحية. "قرأت شيئًا مثيرًا عن الادخار التلقائي"، أو "جربت هذا الأسبوع أتبع ميزانية بسيطة ونجحت" هذه الجمل العابرة تزرع بذوراً في أذهان من يسمعها، وكثيراً ما تُثمر في وقت لا تتوقعه.
- مشاركة المحتوى بذكاء، حين تنهي كتابًا ماليًّا مفيدًا أو تسمع حلقة بودكاست لامست فيها شيئًا حقيقيًّا فإن إرسالها لزميل مناسب في الوقت المناسب دون تعليق مطوّل أو توقع ردّ هو من أرقى أشكال التربية غير المباشرة. والمحتوى الصحيح للشخص الصحيح في اللحظة الصحيحة، وليس نشرًا عامًّا في مجموعة الواتساب يُقرأ بعين واحدة ثم يُنسى.
- نادي القراءة المالي، مبادرة بسيطة تبدأ بثلاثة أو أربعة زملاء يتفقون على قراءة كتاب مالي واحد خلال شهر، ثم يجتمعون في جلسة غير رسمية يتبادلون فيها ما استفادوه وما خالفوه. ليس المهم الاتفاق بل التفكير المشترك. وحين يسمع الموظف زميله يتحدث عن الادخار والاستثمار بلغة طبيعية مألوفة، تسقط كثير من الحواجز النفسية التي تجعله يرى هذه الموضوعات بعيدة عنه أو مخصصة لفئة دون أخرى.
- جلسة الغداء الموضوعاتية وتعلّم على المائدة، ما أجمل أن تتحول دقائق الغداء من ثرثرة فارغة إلى حوار مثمر. جلسة أسبوعية أو شهرية يطرح فيها أحدهم موضوعاً مالياً بسيطاً للنقاش، كيف نتعامل مع ارتفاع الأسعار؟ ما رأيكم في فكرة الصندوق التعاوني؟ هل جرّب أحد وضع ميزانية شهرية؟ هذا الحوار يُطبيع الحديث المالي ويجعله جزءاً من ثقافة المكتب لا استثناءً محرجًا.
- الصندوق التعاوني من الكلام إلى الفعل، ومن أبلغ ما يمكن أن تُرسيه في بيئة عمل: صندوق تعاوني اختياري يُسهم فيه من يشاء بمبلغ رمزي شهري، يُصرف على حالات الطوارئ بين الزملاء أو يُوفَّر لهدف مشترك. هذه الأداة تُجسّد مفهوم التكافل الإسلامي في أبهى صوره العملية، وتُذكّر بما كان عليه المسلمون الأوائل من تعاضد جعل مجتمعهم قادراً على مواجهة الأزمات باطمئنان.
- القدوة الإدارية، لمن يحمل صلاحية إدارية فإن أثره التربوي مضاعف. المدير الذي يرفض الإسراف في احتفالات الشركة ويحرص على صرف الرواتب في موعدها ويتحدث أمام فريقه عن قيمة التخطيط المالي، هذا المدير يُدرّس بكل قرار يتخذه وكل موقف يقفه، دون أن يحتاج إلى كلمة واحدة عن التربية المالية.
من المؤثِّر إلى المتأثر
القيادة المالية في بيئة العمل لا تُمنح بقرار ولا تُكتسب بلقب وإنما تنشأ تدريجيًّا حين يرى الآخرون في شخص ما شيئاً يفتقرون إليه: الاتزان حين يضطرب السوق، والوضوح حين تلتبس الخيارات، والهدوء حين تضيق الأرزاق. هذه الشخصية يُعلن عنها من حولها حين يلجؤون إليها طوعًا.
- الاتزان في الرخاء والشدة، أول ما يُلاحظه الزملاء في صاحب الشخصية المالية الناضجة أنه لا يتبدّل كثيراً بتبدّل الأحوال. لا يُبالغ في الانبساط حين يأتيه عطاء، ولا ينهار حين تضيق عليه الأمور. هذا الاتزان مستمَد من يقين راسخ بأن الرزق بيد الله وحده، وأن ما أُصيب به المرء لم يكن ليُخطئه، وحين يعيش الإنسان هذا المعنى عيشًا حقيقيًّا لا ترديدًا لفظيًّا ينعكس على سلوكه المالي انعكاسًا يراه من حوله ويشعرون بأثره.
- المصداقية رأس المال الذي لا يُشترى، لا يُصغي الناس إلى من يعظهم بما لا يعمل به. والمصداقية في الشأن المالي تعني أن يرى زملاؤك انسجامًا بين ما تقوله وما تفعله: تتحدث عن القناعة وتعيشها، وتدعو إلى التخطيط وتمارسه، وتحذّر من الديون وتجتنبها. وهذا الانسجام بين القول والفعل هو ما وصف به الله المؤمنين الصادقين، وما ذمّ غيابه في قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾[الصف: 2].
- الثقة الهادئة خير من الصخب، صاحب الشخصية المالية القيادية لا يُشهر نجاحاته ولا يُعلن عن مدخراته ولا يجعل من تجاربه قصص بطولة تُروى في كل مجلس. تجده يُجيب حين يُسأل ويُشارك حين ترى عيناه حاجة حقيقية ويُحجم حين يشمّ رائحة الرياء أو الاستعراض. وهذا التواضع ليس ضعفاً بل هو من أقوى أسباب التأثير، لأن الناس يثقون بمن لا يبحث عن إعجابهم.
- فقه الأولويات الإنسانية، القائد المالي الحقيقي في بيئة العمل لا يُقيس تأثيره بعدد المرات التي تكلّم فيها وإنما بعدد المرات التي كان فيها حاضرًا حين احتاجه أحد. حضوره حين يتعثر زميله ماليًا، وسكوته الرحيم حين لا يكون الوقت وقت كلام، وسؤاله الذي يفتح باباً لم يكن ليُفتح لولاه، هذه لحظات تبني مكانة لا تبنيها خطبة ولا تُقيمها محاضرة.
وفي الختام فإن التغيير الحقيقي في أي مؤسسة لا يبدأ من القمة دائمًا وإنما يبدأ أحيانًا من موظف في الطابق الثالث قرر أن يكون مختلفًا في صمته قبل كلامه، وفي سلوكه قبل نصيحته، وفي ثباته على قيمه حين يضغط المحيط بعكسها. فإن فعل ذلك فقد أقام في مكتبه مدرسة، وإن أحسن فقد خرّج منها تلاميذ لم يجلسوا فيها يومًا.
.
د. علي شيخون
عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.