المرأة بين التكريم الإلهي والاستغلال المعاصر(قراءة حضارية في اليوم العالمي للمرأة)
مقدمة:
يحتفل العالم في الثامن من مارس من كل عام بما يُعرف بـ(اليوم العالمي للمرأة)، وهو يوم يُراد منه – نظريًّا، تكريم المرأة وتسليط الضوء على حقوقها ودورها في المجتمع. غير أن التأمل العميق في واقع المرأة عالميًا يكشف مفارقة واضحة؛ فبينما ترتفع الشعارات حول الحرية، والمساواة، تعاني ملايين النساء من الاستغلال الاقتصادي والإعلامي والجسدي، وتتحول المرأة في كثير من المجتمعات إلى سلعة تجارية تُستخدم في الإعلانات والتسويق.
وفي خضم هذا الجدل العالمي، يبرز النموذج الإسلامي بوصفه نموذجًا متوازنًا أعطى المرأة مكانتها الحقيقية، فجمع بين التكريم الإنساني، والحقوق الاجتماعية، والحماية الأخلاقية، في وقت كانت فيه المرأة في كثير من الحضارات القديمة تُحرم من أبسط حقوقها.
أولًا: المرأة في ميزان الإسلام تكريم رباني شامل:
لم يكن تكريم المرأة في الإسلام مجرد شعار، بل هو تشريع إلهي ثابت أرساه القرآن الكريم والسنة النبوية.
قال الله تعالى:﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾[البقرة: 228].
وقال سبحانه:﴿إِنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾[آل عمران: 195].
فهذه الآيات تؤكد أن المرأة شريكة الرجل في الكرامة الإنسانية والتكليف الشرعي.
وقد أكد النبي ﷺ هذا المعنى في قوله: "إنما النساء شقائق الرجال". (رواه أبو داود والترمذي).
ومن مظاهر تكريم الإسلام للمرأة:
1. تكريمها بنتًا:
حارب الإسلام عادة وأد البنات التي كانت شائعة في الجاهلية.
قال تعالى:﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾[التكوير: 8-9].
وقال النبي ﷺ: "من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين". (رواه مسلم).
2)تكريمها زوجة:
جعل الإسلام العلاقة الزوجية قائمة على المودة والرحمة.
قال تعالى:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾[الروم: 21].
وقال النبي ﷺ: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي". (رواه الترمذي).
3) تكريمها أمًّا:
بلغ التكريم ذروته عندما جعل الإسلام برّ الأم من أعظم القربات.
قال رجل للنبي ﷺ: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». (متفق عليه).
وهذا التكرار النبوي يحمل دلالة تربوية عظيمة على مكانة الأم.
ثانيًا: اختلال المعايير في الاحتفال العالمي بالمرأة:
رغم الشعارات اللامعة حول حقوق المرأة، فإن الواقع العالمي يكشف تناقضًا كبيرًا.
ففي كثير من المجتمعات الحديثة تحولت المرأة إلى:
أداة في الإعلانات التجارية
وسيلة لزيادة الاستهلاك الاقتصادي
مادة لصناعة الترفيه والإغراء الإعلامي
ويشير المفكر الفرنسي روجيه جارودي إلى هذه المفارقة بقوله: "الحضارة الحديثة رفعت شعار تحرير المرأة، لكنها في الواقع حولتها إلى سلعة في السوق." (وعود الإسلام، دار الشروق).
كما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن ملايين النساء حول العالم يتعرضن للاستغلال الاقتصادي والعنف الأسري، رغم الخطاب العالمي حول المساواة.
وهنا تظهر المفارقة بين تكريم نظري في الخطاب العالمي، واستغلال عملي في الواقع الاقتصادي والإعلامي.
ثالثًا: المرأة في غزة وفلسطين نموذج الصبر والصمود:
إذا كان العالم يحتفل بالمرأة بالورود والخطابات، فإن المرأة الفلسطينية ، وخاصة في غزة تقدم نموذجًا مختلفًا من البطولة.
فالمرأة هناك: أم الشهيد، زوجة الأسيرمربية الأجيال المقاومة، الطبيبة والمعلمة والصابرة تحت الحصار
قال الله تعالى:﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
وقد جسدت المرأة الفلسطينية هذا المعنى في أسمى صوره.
فالمرأة في غزة ليست مجرد ضحية حرب، بل هي صانعة صمود.
وقد وصف المفكر الفلسطيني عبدالوهاب المسيري دور المرأة الفلسطينية بقوله: "المرأة الفلسطينية كانت دائمًا حارسة الهوية، وحافظة الذاكرة الوطنية."
وفي مشاهد الصمود التي يشهدها العالم اليوم، نرى: أمًّا تودّع أبناءها الشهداء بالصبر والإيمان، طبيبات يعملن تحت القصف، معلمات يواصلن تعليم الأطفال رغم الدمار، وهنا تتجلى أعظم معاني البطولة الإنسانية.
رابعًا: الرؤية الحضارية لتكريم المرأة:
إن تكريم المرأة لا يكون بالشعارات الموسمية، بل يتحقق عبر ثلاثة أمور:
1) احترام إنسانيتها وكرامتها:
فالمرأة إنوسان كامل الكرامة، وليست أداة للمتعة أو الاستهلاك.
2) دعم دورها التربوي والأسري:
فالأسرة هي المؤسسة الأولى لبناء المجتمع.
قال الشاعر:
الأم مدرسةٌ إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراقِ
(حافظ إبراهيم)
3) حماية المرأة من الاستغلال
وهذا يتطلب: إعلامًا أخلاقيّا، تشريعات عادلة، ثقافة تحترم المرأة.
خاتمة:
إن اليوم العالمي للمرأة يجب أن يكون مناسبة للتفكير العميق في مكانة المرأة الحقيقية، بعيدًا عن الشعارات الاستهلاكية.
فالمرأة ليست مجرد رقم في تقارير التنمية، بل هي صانعة الحضارات ومربية الأجيال.
وإذا كانت بعض المجتمعات تحتفل بالمرأة بالكلمات، فإن المرأة في غزة وفلسطين تكتب بدموعها وصبرها أعظم قصص الكرامة الإنسانية.
وستظل المرأة المسلمة كما أرادها الإسلام ، رمزًا للعفة، والعطاء، والصمود، وبناء الإنسان.
المراجع:
القرآن الكريم.
١)ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، الرياض، 1999.
٢)النووي، يحيى بن شرف، شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
٣)القرضاوي، يوسف، فقه الأسرة في الإسلام، دار الشروق، القاهرة، 2001.
٤)روجيه جارودي، وعود الإسلام، ترجمة عادل العوا، دار الشروق، القاهرة، 1997.
٥)عبد الوهاب المسيري، اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، القاهرة،1999م
٦)محمد الغزالي، قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة، دار الشروق، القاهرة، 1990.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية