مقدمة: الحرية من الفطرة لا من القانون
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإننا لو تحدثنا عن مقصد الحرية عند الطاهر بن عاشور منذ شهرين لكان حديثاً مكروراً مُعاداً لا يجد الإنسان له صدى في واقع حياته اليومية، أما ونحن نتحدث عن مقصد الحرية عند الطاهر بن عاشور، أو عن الحرية بوجه عام.
الحرية دليل على إرادة الإنسان ومسؤوليته
منذ أكثر من ثلاثين سنة قد كتبت أقول: إن الحرية من الفطرة، وإن دليل ذلك تمكين رب العالمين للخلق من مخالفة أوامره.
إن الرئيس واجب الطاعة لا تخالف أوامره، وجندي المرور واجب الطاعة في الشارع لا تخالف أوامره، والأب إذا كان قاسياً متمكناً من قسوته في بيته لا تخالف أوامره، وإذا كان أباً لطيفاً ورحيماً، فإن أوامره تخالف باستمرار، لكن الآباء الآخرين لا تخالف أوامرهم.
كل هذا واقع في حياتنا، وواقع في حياتنا أيضاً أن رب العالمين يأمر فيطيعه كثير من خلقه، ويعصيه كثير من خلقه، وينهى فيمتثل للنهي كثير من الخلق، ويعصى هذا النهي ويقع في المنهي عنه خلق آخرون كثيرون، لذلك قال ربنا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: 28]... كثير من الناس يطيعون قوانين الله تبارك وتعالى ويلتزمونها، وكثير من الناس يحق عليهم العذاب بمعصية هذه القوانين ومخالفتها، وليس في الكائنات من نجوم وشمس وقمر وشجر ودواب من يعصي الله تبارك وتعالى، إنما كُلهم مَسوق بقانونه ملتزم به لا يتعداه.
إذا كانت أوامر الله تبارك وتعالى، وهي واجبة الطاعة قطعاً، تجد من لا يطيعها معانداً غير مخطئ، فلا شك في حرية الإنسان، وحرية الإرادة الإنسانية حرية تترتب عليها عدالة المسؤولية وعدالة الجزاء؛ لأنه كما يقول رجال القانون ورجال السياسة: لا حرية بغير مسئولية، ومقتضى المسئولية إثابة المصيب ومعاقبة المخطئ؛ وهي فكرة معروفة في القانون باسم فكرة الجزاء، فبمقتضى العدالة الربانية التي أنشأت خلقاً قادراً على السمع والطاعة، أو السمع والمعصية، كانت المسئولية، وكانت حمل التبعة أو كان الجزاء.
عندما أمر ربنا آدم وزوجه أن يهبطا في الأرض بعد أن حدث منهما في الجنة ما حدث قال ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾[طه: 123-126].
هو جزاء على عمل مسئول قام به هذا الإنسان مخالفاً إرادة رب العالمين أو قانون رب العالمين، أمراً كان أو نهياً.
ولا يقبل على الحق دليل إلا الدليل العقلي الذي يخضع له العقل السليم والفكر المستقيم، في جميع رسالات الأنبياء والرسل نجد: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111].
أي ائتونا ببرهان تقبله العقول وتنزل عنده الأنفس ولا يخالفه الفكر المستقيم. فمن جاء بالبرهان خُضع له، وإذ كان الملحدون أو الجاحدون أو الكافرون يستحيل عليهم أن يأتوا ببرهان يناطحون به برهان الأنبياء الذي هو رسالات رب العالمين، فقد ثبتت الحجة للأنبياء جميعاً واحداً بعد الآخر على أقوامهم الذين أنكروا أو جحدوا أو كذبوا.
تعريف ابن عاشور للحرية وأصولها
هذا المعنى الفطري للحرية هو الذي يقول به الأستاذ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور حرفاً بحرف، إذ يقول: الحرية وصف فطري نشأ عليه البشر، وبه تصرفوا في أول وجودهم على الأرض حتى حدثت بينهم المزاحمة فحدث التحجير، أي كثر الناس فقلت عليهم الموارد، أو كثر الجشع والطمع، فأراد أصحاب النفوس الضعيفة أن يستحوذوا على الثروة ويحرموا منها الآخرين، حدثت المزاحمة فحدث التحجير.
الأصل أن الإنسان يضع يده على قطعة أرض بالغة ما بلغت فيستثمرها بغير قيود، لكن عندما أخذ الطماعون من ذوي الجاه والسلطان يستحوذون على أملاك الناس ويحرمون غيرهم من أن يأخذ نصيبه، ويأخذون أضعاف ما يحتاجون بل أضعاف ما يستطيعون أن ينفقوا في حياتهم وحياة أولادهم، والآن وصلوا أنهم يأخذون ما لا ينفقون هم وأحفاد أحفادهم أيضاً، فلابد بعد ذلك من وضع القيود، لابد عند حدوث هذا الطغيان من وضع القيود.
فالأصل في الحرية أنها فطرية مطلقة، والاستثناء – الذي أحدثناه نحن بأنواع الفساد التب ابتكرناها عندما تكاثرنا في الأرض – هو أن تقيد هذه الحرية وتوضع عليها الصعاب والعقبات التي تمنع من الاستئثار بالثروات والاستئثار بالخيرات.
ويحاول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ليعرف الحرية بالقول: إنها خاطر غريزي في النفوس البشرية، فيها نماء القوى الإنسانية من تفكير وقول وعمل، وبها تنطلق المواهب العقلية متسابقة في ميادين الابتكار والتدقيق، لا يستطيع الإنسان أن يكفر إلا وهو حر، ولا يستطيع أن يتكلم بما يريد غير خائف ولا وجل إلا وهو حر، ولا يستطيع أن يعمل العمل النافع للناس في الدنيا إلا وهو حر، فبالحرية يحدث النماء لهذه القوى، قوى التفكير وقوى القول وقوى العمل.
متى تُقيَّد الحرية؟
يقول الطاهر بن عاشور: لا يحق لها (أي الحرية) أن تُسام بقيد إلا قيدًا يُدفع به عن صاحبها ضر ثابت محقق أو يجلب به نفع حيث لا يقبل رضى المضرور أو المنتفع بإلغاء فائدة دفع الضرر وجلب النفع.
إذا وجدنا رجلًا يريد أن يُلقي بنفسه في النهر، وهو عالي المياه، مضطرب الأمواج، فإن حريته في قتل نفسه ليست مكفولة له بل هي ممنوعة مقيدة، إذا رأينا رجلًا ينتحر بقطع شرايين يده، حريته في قطع هذه الشرايين ليست ممنوحة له بل هي حرية مقيدة، إذا رأينا رجلًا يريد أن يستولي على المال العام في غفلة أو تحت سمع الناس وبصرهم، حريته في الاستيلاء على المال ليست مكفولة له، بل هو محروم منها؛ لأن الذي يحاوله ضرر محض ثابت يحل به بمجرد ارتكابه الفعل الذي يريد.
ويجوز أن تقيد الحرية بقيد يجلب نفعاً، فقد رأينا رسول الله -ﷺ- عندما دخل على سعد بن أبي وقاص فسأله سعد – وهو مريض يعوده في مرضه – قال: يا رسول الله، إن لي مالًا ولا ترثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بكل مالي؟ ... قال: لا... قال: فبنصف مالي؟ ... قال: لا... قال: فبثلث مالي؟ ... قال: الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" [أخرجه البخاري، ومسلم].
هذه حرية التصرف في المال، فهو حر يفعل في ماله ما يشاء، لكن هناك حقوق ستأتي لم تستحق بعد، ليس للورثة حق في مال المورث وهو على قيد الحياة، ليس لهم فيه حق يفعل به ما يشاء، وفي الفقه أيضاً أنه إذا تصرف في ماله كله حال حياته كان خلاف الأولى، لكن رسول الله -ﷺ- حجر على سعد أن يتصرف في كل ماله أو نصفه، لأن بقاء الورثة أغنياء نفع محض لسعد لا يجوز أن يتركه أو يتخلى عنه، فإذا أقبل الإنسان على ما يضره ضرراً محضاً مُنع، وإذا أقبل على فقد ما ينفعه نفعاً محضاً مُنع، والحرية لا تتعارض مع هذا المنع؛ لأنه منع لمصلحة محققة للإنسان الذي هو في أصل خلقته حر.
وعقب ابن عاشور على ذلك بقوله: لا يُقبل في الشرع رضاء المضرور أو رضاء المنتفع بإلغاء الضرر أو إلغاء النفع.
لا يُقبل هنا تعني أنه لا يجوز أن يقول: أنا لا أريد هذا المال؛ لأن هذا مالك ولابد أن تحتفظ به إلى أن يأخذه أصحاب الحق فيه، فإذا كنت تريد أن تتصدق أو تتقرب إلى الله فتصدق بالربع أو الثلث، لكن لا تتصدق بأكثر من الثلث؛ لأنه قال: الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء... إلخ.
العلاقة بين الحرية والمساواة عند ابن عاشور
من العجيب أننا نجد عند الطاهر بن عاشور – ولا نجد ذلك عند كثيرين من الناس – تفريع الحرية على المساواة، الحرية عنده فرع مترتب على مبدأ المساواة، قررت الشريعة المساواة فترتب على تقرير المساواة أن يكون هؤلاء المتساوون أحراراً، ولا يجوز أن يكون بعضهم أكثر حرية من بعض ولا أن يكون بعضهم أقل حرية من بعض.
يقول: إن المساواة أصل ناشئ عن عموم الشريعة، فالشريعة نزلت لخلق الله كافة، نزلت للمسلم وغير المسلم، هي للمسلم دين يتدين به وقانون يطيعه، ولغير المسلم ثقافة ودعوة يُدعى إليها، فإن قبلها دخل في المسلمين وصار له ما لهم وعليه ما عليهم، وإن لم يقبلها فهي الثقافة الحاكمة في المجتمع الذي يعيش فيه مع المسلمين.
قال: عموم الشريعة اقتضى المساواة، والمساواة اقتضت الحرية. فعموم الشريعة تعني أن الناس كلهم المقيمين في أرض الإسلام، أو في ظل الحكومة الإسلامية، يُحكمون بقانون واحد، هذا عموم الشريعة، وإذا كانوا يُحكمون بقانون واحد، فهم متساوون في أداء الواجبات والحصول على الحقوق، وإذا تساووا وجب أن تُكفل لهم الحرية حتى يستطيعوا أن يحصلوا المنافع ويدفعوا المضار.
ويقول: فالخلق مستوون في الانتساب إلى الجامعة الإسلامية، أما المؤمنون فبحكم قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
أما غير المؤمنين فبحكم المشاركة في الدار، ما دمنا متشاركين في الدار فنحن متساوون في الحقوق والواجبات، وهذا يجعل الجميع سواء في الحقوق المخولة في الشريعة؛ لأنهم سواء بأصل الخلقة، فهنا قد خرجنا من دائرة الإيمان وغير الإيمان، ومن دائرة الإسلام وغير الإسلام، عدنا إلى الأصل، أو أصل الخلقة: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: 1].
فإذا كانوا سواءً في أصل الخلقة فهم أحق بالتساوي في تعلق خطاب الشريعة بهم، فلا تكون عزة العزيز زائدة له في حقوقه ومنافعه، ولا تكون خسة الخسيس – فقرة ووضاعة أصله وسوء حاله المادي – أو ذلة الذليل، مانعة له من حقوقه الإنسانية، حق الإنسان يتساوى فيه الغني والفقير، العزيز والذليل، رفيع المقام وخسيسه؛ لأنهم متساوون في أصل الخلقة الذي منه اشتُق أصل المساواة أمام القانون، أو المساواة أمام الشرع بلغة الفقهاء.
ويؤكد وبناءً على هذا الأصل الأصيل، وهو أن الإسلام دين الفطرة، فكل ما شهدت الفطرة بالتساوي فيه يتساوى فيه بين المسلمين، فالتشريع يفرض فيه التساوي بينهم، والفطرة هي فطرة الله التي فطر الناس عليها، الفطرة هي أصل خلق الله الذي خلق عليه الكون والمخلوقات كلهم، إنسان وغير إنسان، فهذه الفطرة اقتضت المساواة في أشياء، واقتضت عدم المساواة في أشياء. كل ما ساوت فيه الفطرة بين الناس فهم فيه سواء، وكل ما فرقت فيه الفطرة بين الناس فهم ليسوا فيه سواء، ولا يُخل هذا بأصل المبدأ؛ لأن المساواة بين من تتساوى أحوالهم (هذا عند الشرعيين).
أما عند القانونيين فإن المساواة حالة يجب توفيرها لمن تساوت مراكزهم القانونية، فمن كان في مركز قانوني واحد؛ مثل طلاب الجامعة فكلهم متساوون، ولكن طلاب السنة الرابعة لا يتساوون مع طلاب السنة الأولى؛ لأنهم يدرسون مواد مختلفة، وطلاب كلية الحقوق لا يتساوون مع طلاب كلية الهندسة؛ لأن كلية الهندسة خمس سنوات وكلية الحقوق أربع سنوات، إنما يتساوى طلاب الهندسة فيما بينهم، وطلاب الطب فيما بينهم، وطلاب الحقوق فيما بينهم لتساوي مراكزهم القانونية، وتختلف كل مجموعة من هؤلاء مع المجموعات الأخرى لاختلاف المراكز القانونية.
فهذا هو الذي يقرره الطاهر بن عاشور بقوله: إن كل ما شهدت الفطرة يتفاوت البشرية فيه فالتشريع بمعزل عن فرض أحكام متساوية فيه؛ لأن المساواة في الشريعة ناظرة إلى أصل خلقة الله سبحانه وتعالى للإنسان.
ويقرر تأكيد ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور كلكم لآدم وآد من تراب، وقد قال هنا: كلكم ولم يقل: المسلمين، لم يقل: المؤمنين، لم يقل: أهل الجزيرة، لم يقل: أهل المدينة، بل قال: كلكم، كل البشر؛ لأن أول الحديث: لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أعجمي على عربي، ولا أبيض على أسود حتى قال: كلكم لآدم وآدم من تراب "... "أخرجه أحمد"
وقد قال: إن هناك أحكامًا مع ذلك لا يتساوى فيها المسلم مع غير المسلم، كالميراث بين المسلم وغير المسلم من أقربائه.
نرجع هنا لقاعدة تساوي المراكز القانونية، فالمركز القانوني لغير المسلمين واحد، والمركز القانوني للمسلمين واحد، لا نستطيع أن نحمل صاحب المركز القانوني غير الإسلامي على منافع ومصالح صاحب المركز القانوني الإسلامي، والعكس بالعكس؛ لأن المراكز القانونية مختلفة.
وقال: مثل الميراث والقصاص وقبول الشهادة على اختلاف بين العلماء، وقال بعد ذلك: ترجع هذه الأمور كلها – التي بها خلاف في المساواة – ترجع كلها إلى نظر الفقيه في التقنين. هذه الفكرة مرجعها إلى فكرة الحرية نفسها، فالفقيه حر بحسب عقله الذي تكون على مر السنين أن ينظر في مصادر التشريع وموارده ويقرر أن الحكم الذي اقتنع به هو (أ)، وفقيه ثان يقول (ب)، وفقيه ثالث يقول (ج)، هذا كله على قدر المساواة بين الفقهاء... قال: جميع هذه الفروع الذي تتقرر فيها أحكام تنافي مبدأ المساواة لأسباب يقررها الفقهاء ترجع إلى نظر الفقيه في الفروع. أي لا يرجعها إلى أصل من أصول الإسلامي يقرر عدم المساواة، إنما هو أصل من أصول الفطرة التي تقرر المساواة بين المتماثلين، والتفرقة بين غير المتماثلين، وهذا ما توصلنا إليه في العلوم القانونية والسياسية في القرن العشرين ونسير عليه حتى الآن.
يقول: أما معرفة عدم مساواة غير المسلم للمسلم في بعض الأحكام في المعاملات كلها فقول النبي ﷺ: لهم ما لنا وعليهم ما علينا. الحديث فيه كلام، ولكن له أصل ثابت: سُنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب.
منه استنبط العلماء هذه القاعدة لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وسيدنا علي -رضي الله عنه- له قول ثابت عنه: من كانت له ذمتنا، فدمه كدمنا، وديته كديتنا. من هذا الكلام الذي قاله سيدنا علي رضي الله عنه ومن حديث: سُنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب أخذ العلماء قاعدة لهم ما لنا وعليهم ما علينا.
ويقول عن الحرية هي استواء أفراد الأمة في تصرفهم في أنفسهم، أي المساواة بينهم في التصرف في أنفسهم، أي أن كل واحد يستطيع أن يتصرف في نفسه مثلما يريد، لكن لا يقتلها، يتصرف في نفسه كما يريد، لكن لا يفضل الجهل على العلم، إذا كان بيده أن يتعلم، يتصرف في نفسه كما يريد، ولكن لا يجلس عاطلاً لا يستطيع أن يقوت نفسه وعياله ومن يجب أن يقوتهم، هذا كله لا يجوز، وهذا كله ليس من طبيعة المساواة، من طبيعة المساواة ومن طبيعة الحرية أن تؤدي الواجبات لتحصل على الحقوق.
يرى ابن عاشور أن الحرية في اللسان العربي جاءت بمعنيين، أولهما ضد العبودية أي ضد الرق.
وأقول: إن هذا المعنى أصبح والحمد لله تاريخياً، لم يعد في أي بلد من بلاد المسلمين إلا بلد واحدة مسكينة، بقية البلاد كلها خلت من الرق والاسترقاق ومن أسواق الرقيق وكل ذلك.
ومن القواعد الإسلامية في التعامل مع الرقيق، وهي قواعد كثيرة ذكرها ابن عاشور بالتفصيل لا محل لها هنا، استقرأ الفقهاء بقراءة كل النصوص الواردة في هذا الباب، استقرأ الفقهاء من نصوص الشرع قاعدة: أن الشارع متشوف إلى الحرية، الشارع، وهو رب العالمين، متشوف إلى أن يكون عباده أحرارًا، يشرع من التشريع ويجعل نبيه صلى الله عليه وسلم يُعلم الناس من السنة ما يجعل الناس أقرب إلى الحرية منهم إلى العبودية.
من الأشياء التي أُعلنها مذهب الإمام أبي حنيفة – رحمه الله – إعلاناً هائلاً أنه لا يرى الحجر على أحد، واستثنى ثلاثة أشخاص لأسباب متعلقة بغيرهم لا بهم، وسفيه المال الذي قرر كل الناس أن تحجر عليه وكل القوانين أن تحجر عليه، يقول أبو حنيفة: لا نحجر عليه.
يقول: لأن حريته في التصرف في ماله أعلى من حق غيره المحتمل، لأنه من الممكن عندما يأتيه الموت ألا يكون عنده ورثة ويكونوا قد ماتوا قبله، فحريته وهو حي في التصرف في ماله أعلى من حق الغير المحتمل في المال الذي يُمنع من التصرف فيه.
وأيضاً السفر، الإقامة، البقاء، الخروج، كل ذلك عند أبي حنيفة لا يجوز منع الناس منه، لكن عند الفقهاء الآخرين يوجد استثناءات.
الفقهاء قد أقروا قاعدة تقول: إن الشارع متشوف إلى الحرية، وهذا معناه إنهاء حالة الرق والعبودية.
وقد يقال: لكن الشريعة عندما جاءت لم تلغ الرق والعبودية، فكيف تقولون: إن الشارع متشوف إلى الحرية والشريعة لم تلغ الرق ولم تلغ العبودية، بل لم تمنع استرقاق الناس في أعقاب الحروب؟
العلماء أجابوا عن هذا بردين، الرد الأول أن نظام العالم ونظام الدنيا عندما نزلت الشريعة الإسلامية على محمد -ﷺ- كان نظاماً اقتصادياً يقوم على عمل الرقيق في المزرعة، في النجارة، في التجارة، حتى السفر في التجارة كان يسافر فيه الرقيق ولا يسافر فيه أصحاب المال، في الحروب، وفي كل ما يحتاجه المجتمع من سلمه وحربه كان الرقيق عماداً له، فكان النظام الاقتصادي العالمي قائماً على مسألة وجود يد عاملة مجانية أو شديدة الرخص، هي يد الرقيق، فلو جاء الإسلام وأبطل نظام الرق ضربة لازب من أول يوم، لهدم النظام الاقتصادي، ليس العربي فقط، وإنما لهدم النظام الاقتصادي العالمي كله؛ وهذا أمر لا يليق بالتشريعات الحكيمة أن تفعله.
فلماذا أبقى الاسترقاق؟
لم يلغ الإسلام الاسترقاق لأنه كان قائماً في القانون الدولي للحرب وقتها، فقد كان قائماً عند العدو أن يسترق رجال المسلمين وأطفالهم ونساءهم، ولابد من المعاملة بالمثل، ولابد من التخويف بهذا الاسترقاق الذي يأنف منه العربي كل الأنفة.
لكن الإسلام فعل شيئاً غريباً جداً، قال الشيخ الغزالي – رحمه الله: جاء الإسلام فوجد الرق ففتح لإنهائه أسباب العتق.
يعني أن الإسلام لم يخترع الرق، ولم يشرع الرق، ولم يأمر بالرق، فقد جاء الإسلام ووجد الرق موجوداً في البشرية، فالناس عندهم رقيق يقوم على اقتصادهم، وإذا تحاربوا يسترق بعضهم أسرى بعض، ففتح الإسلام لإنهاء هذا الرق أبواب العتق.
وقد وفَّى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور هذه المسألة حقها وانتهى بعدما جاء بأسباب العتق من الكفارات ومن اليمين ومن الصيام وما إلى ذلك، انتهى إلى قول جميل، قال: فمن استقراء هذه التصرفات ونحوها حصل لنا العلم بأن الشريعة قاصدة بث الحرية بالمعنى الأول، قاصدة ذلك وتجعله من الأسباب التي يمتاز بها المؤمن على غيره.
وكان من مسائل الكفارات الجميلة أن عمرو بن العاص قال مرة في مشكلة بينه وبين رجل من الصحابة (يا آل هصيص) وهصيص هذا نسبه الأعلى أو قبيلته العليا، فكان ابنه عبد الله جالسًا فقال له: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال له: ما بالك؟ قال: دعوت بدعوى الجاهلية، وقد نهى عنها رسول الله ﷺ، قال عبد الله: فندم عمرو أشد الندم حتى أعتق ثلاثين رقبة جزاء أن يغفر الله له هذا النداء بدعوى الجاهلية.
فكانت هذه الأبواب مفتوحة فتحًا هائلًا، فمن قصص الصحابة الكثيرة أن سعد بن أبي وقاص كان له ألف غلام يعملون ويأتونه بعائد عملهم، فلم يمت حتى أعتقهم جميعًا، كلما بلغ ما جاء به غلام مائة دينار أعتقه، والمائة دينار هذه ليست بالمبلغ الكثير، فمات وليس عنده رقيق واحد، فقد أعتقهم جميعًا.
فأبواب العتق المشروعة ككفارات، وماحيات ذنوب، أو مانعات عقاب، يوازيها أسباب الترغيب في الثواب التي دخل منها الأصحاب والأتباع حتى لم يعد للرق مكانة اجتماعية غالبة كما كان في أول أمر الإسلام، فالحمد لله وصلنا إلى إلغاء الرق في جميع بلاد الإسلام ما عدا بلد وحيد مسكن وإن شاء الله يتقدمون ويُلغون الرق أيضاً.
المعنى الثاني للحرية هو تمكين الشخص من التصرف في نفسه وشؤونه كما يشاء دون معارض.
ودون معارض تعني أنه ليس هناك حكومة كي تمنعك ولا يوجد نقيب ليقول: لا تفعل هذا؛ لأنك عضو في مجلس نقابة فلا تفعل، ولا يوجد عميد يقول لأستاذ: لا تدرس بهذه الطريقة؛ لأن هذه الطريقة لا تصلح، كل إنسان له شأن متصل به، يتصرف فيه كما يرى المصلحة دون معارض، فلا معارض من السلطة العامة ولا معارض من الأفراد، لأننا إذا وضعنا المعارض وأجزنا له المعارضة هدمنا فكرة الحرية من أساسها، فإن أساس فكرة الحرية ألا يعترض أحد على أحد فيما هو من خاصة شأنه، فإذا اعترض عليه انهدمت فكرة الحرية.
يقول: وهذا المعنى مراد بالشريعة، وهو من مقاصدها العليا، إذ هو ناشئ عن الفطرة، ويتحقق فيها معنى المساواة الذي هو أيضًا أصل من أصول الفطرة الإنسانية.
فالربط بين الحرية والمساواة موجود عنده في كل موضع تقريبًا من مواضع كتابه عن مقاصد الشريعة.
ولذلك قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في قصة الرجل الذي تشاجر مع ابن عمرو بن العاص وذهب إلى المدينة، وقال: جئتك عائذًا يا أمير المؤمنين، قال: عُذت بمعاذ فما قصتك؟
فحكى له القصة أن ابنه كان يلعب مع ابن عمرو بن العاص رضي الله عنه، فخطى على ثوبه، فإما اتسخ أو تقطع، فضربه ابن عمرو بن العاص، وفي رواية أخرى أنهم كانوا يتسابقون، فسبق ابن عمرو بن العاص فضربه، فبعث عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص وأمره أن يأتي بابنه معه، فجاء عمرو بن العاص وابنه وسمع شكوى القبطي أمام عمرو، فقال له عمرو بن العاص: والله يا أمير المؤمنين ما علمت وما بلغني ولا جاءني، فلو جاءني لأعطيته حقه، فلماذا جاء لك؟
فقال له عمر: والله ما ضربه ابنك إلا بسطوتك وسلطاتك، فلولا أنك حاكم مصر ما ضربه ابنك.
وقال للقبطي: اضرب من ضربك. فضربه،
فقال أصحاب النبي ﷺ -والرواية عن أنس بن مالك رضي الله عنه- فكنا نراه يضربه ونحن نحب أن يضربه حتى أشفقنا وقلنا: ليته يكُف، فلما كف قال له عمر: اضرب رأس عمرو بن العاص، فقال له: ما ضربني عمر وإنما ضربني ولده وقد اقتدت منه؟ قال: ما ضربك إلا بسلطان أبيه.
ورد هنا سيدنا عمر -رضي الله عنه- بالجملة المهمة التي يستشهد بها الطاهر بن عاشور وكل علماء المسلمين، قال لعمرو بن العاص رضي الله عنه: بم استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟.
فكونهم أحرارًا هذا جزء من الفطرة الإنسانية، جزء من أصل الخلقة مترتب على مجرد الولادة، يولد المولود حرًا لا يقيده قيد، فكيف استبعدتهم؟
قال الطاهر بن عاشور في هذا المعنى: له مظاهر كثيرة جدًّا هي من مقاصد الإسلام، تتعلق بأصول الناس في معتقداتهم وأقوالهم وأعمالهم، فبعض هذه المظاهر يتعلق بالمعتقدات والأقوال والأفعال، وبعضها يتعلق بالعلاقات الثنائية بين الناس بعضهم وبعض.
الحرية للجميع تحت الحكم الإسلامي
لكن العبارة المهمة في هذا الموضوع أنه قال: ويجمع هذه المظاهر كلها أن يكون الداخلون تحت حكم الحكومة الإسلامية متصرفين في أحوالهم التي يخولهم الشرع التصرف فيها غير واجلين ولا خائفين أحدًا.
وعبارة أن يكون الداخلون تحت حكم الحكومة الإسلامية، فهذا يعني أننا لا نتكلم عن الحرية للمسلمين، وإنما نتكلم عن الحرية للمسلمين وللمسيحيين ولليهود وللبوذيين وللملحدين وللكفار بجميع الأديان، ما داموا يقيمون على أرض الحكومة الإسلامية، ما دامت الأرض تحكمها حكومة نظامها مرجعيته الإسلامية، ينبغي أن يكون جميع الناس في هذه الأرض أحرارًا لا يخافون ولا يتهيبون ولا يمتنعون من ممارسة حقوقهم؛ لأن الحكومة تقهرهم على ذلك.
.