بحوث ودراسات

المربي

قراءة في البناء الفكري لجماعة الإخوان المسلمين 1 - الإخوان دعوة في أوانها

قراءة  في البناء الفكري لجماعة الإخوان المسلمين 1 - الإخوان  دعوة في أوانها

مقومات دعوة الإخوان: 

يقول المرحوم الشهيد سيد قطب: الدعوة إلى استئناف حياة إسلامية تستمد مقوماتها من شريعة الإسلام ومن مبادئ الإسلام، دعوة تجيء في أوانها، وتلبي حاجة طبيعية في العالم الإسلامي، بل في العالم الإنساني في هذا الأوان؛ وليست هي مجرد رغبة فردية في العودة إلى الماضي، أو عاطفة دينية لا ترتكن إلى الحاجة الواقعية.

لقد دبت اليقظة في كيان العالم الإسلامي بعد فترة نوم طويلة فإذا هو ممزق في مخالب الدول الاستعمارية، كل منها نهشت نهشة من جسم الوطن الإسلامي، وهي تمضغها وتعلكها وتمتص ما ينز منها من شحم ودم.. ولم يكن بد لهذه المزق أن تتجمع وتتوحد تحت راية معلومة تفيء إليها، فإذا هي متعارفة متضامنة متعاونة، ولم يكن هناك من راية يمكن أن تضم هذه الرقعة الطويلة العريضة فيحس كل بلد أنها رايته، ويحس كل شعب أنه منها وإليها، ولا يعترض أحد على الانضواء تحتها، ولا تثور في نفسه نعرة من أي نوع، لم يكن هنالك من راية تتوافر لها هذه الصفات كلها إلا راية الإسلام.

الراية التي يفيء إليها العربي والتركي والأفغاني والإيراني والباكستاني والأندونيسي، وسائر الأجناس والشعوب في الوطن الإسلامي الكبير فلا يحس غضاضة في نفسه، ولا عصبية من غيره، لأن الجميع تحتها سواء. وهي ملك لهم وهم ملك لها سواء.

ولقد صحت الشعوب الإسلامية على أوضاع اجتماعية لا تسر، نشأت من الاستعمار ومن غير الاستعمار، ولم يكن بد أن تحاول إصلاح هذه الأوضاع، وأن تفيء في هذه المحاولة إلى فكرة أو مذهب تسير على هداه. 

ولم تكن هنالك فكرة أخرى تحفظ لهذه الشعوب عقيدتها في الله سبحانه وتعالى، وتقاليدها في الحياة، وتمكن لها في الوقت ذاته من الإصلاح الاجتماعي، ومن العدالة الاجتماعية، وفي صورة كاملة شاملة، وهي في الوقت ذاته طبيعية عاقلة. 

واقع يحتاج إلى إصلاح

لم تكن هنالك فكرة أخرى تفي بهذا الغرض إلا الفكرة الإسلامية التي تتبع من ضمير هذه الشعوب ومن تاريخها وتماشي رغباتها الكامنة وظروفها وتعطي الحقوق لأهلها دون أن يجور فرد على فرد، ولا طائفة على طائفة، ولا مصلحة على مصلحة ويملك الجميع بعد هذا كله أن يقول كل منهم، لقد اخترت الحل الذي يوافقني.

اخترته اختيارًا ولم أقسر عليه قسرًا، اخترته من تراثي الخاص؛ تراث الإسلام الذي هو ملك خاص لكل مسلم في أطراف الأرض، وملك عام لهذه الأمة المسلمة في كل زمان ومكان.

ولقد صحت الأمة الإسلامية فإذا السوس قد نخر عظامها وهد كيانها، سوس الفساد الخلقي والانحلال النفسي، السوس الذي دسه الاستعمار الخارجي، ودسه الفساد الداخلي.

ولم يكن هنالك من دواء يقتل هذا السوس ويشفي ما بثه في كيان الأمة الإسلامية من انحلال وتفسخ وانهيار، لم يكن هنالك من دواء إلا العقيدة الإسلامية، العقيدة التي تجعل العنصر الأخلاقي مقوما أساسيا من مقومات الحياة.

العقيدة التي تظهر الضمير فينبثق منه السلوك طاهرًا، كما ينبثق طهور الماء من طهور الينبوع، العقيدة التي تبني النفوس وتبني البيوت وتبني المجتمعات على أس من تقوى الله بناء راسيا راسخا عميق الجذور.

كل ظروف الأمة الإسلامية، وكل تاريخها، وكل ضروراتها، كلها كانت تهتف بها إلى الإسلام راية للمجتمع والكفاح، وفكرة للتنظيم والإصلاح، وعقيدة للبناء والفلاح، ولم تكن رغبة طارئة، ولا نزعة عارضة ولا عاطفة متحمسة.

لم يكن شيء من هذا هو الدافع إلى محاولة استئناف حياة إسلامية في هذه الرقعة الطويلة العريضة، إنما كانت حاجة طبيعية عميقة الجذور، قوية الدوافع وحقيقية المقومات، وهذا هو الذي مكن لها في الأرض وجمع النفوس حولها والقلوب في شتى أقطار الإسلام وهذه الدعوة لا تلبي اليوم حاجة الأمة الإسلامية وحدها، إنما هي تلبي كذلك حاجة الإنسانية جميعًا.

بروز الفكرة الإسلامية

إن البشرية تعاني اليوم مثلما كانت تعانيه قبيل ظهور الإسلام، انهيار خلقي شنيع، وتفسخ نفسي قاتل، وحيرة مقلقة لإقرار فيها ولا اطمئنان، وعداوات دولية مستحكمة أثارت حربين طاعنتين في ربع قرن، ومظالم اجتماعية فاشية في كل صقع وفي كل أرض، تختلف أعراضها وتتشابه آثارها في تحطيم الكيان الإنساني، فإذا شاء أحد أن يعدل أقام عدله لطائفة على حساب طائفة، وحطم طبقة ليسود طبقة. 

وليس هنالك اليوم من فكرة يمكن أن تنضوي البشرية كلها تحت لوائها، فتهب لها العدل والطمأنينة والسلام غير الفكرة الإسلامية كما كان الحال يوم جاء الإسلام سواء بسواء، الفكرة التي لا تظلم فردًا ولا طبقة ولا شعبًا، الفكرة التي تضم الناس جميعًا إخوانًا متحابين متساوين، لا أعداء متناحرين ومتفاوتين.

الفكرة اللائقة بالإنسانية التي خلقها الله -تبارك وتعالى- لتتطلع دائمًا إلى مراقي السمو الإنساني لا لترتكس أبدًا في المستنقع المادي الحيواني. والمستقبل لهذه الدعوة، المستقبل لها في الأمة الإسلامية أولًا، وفي الأمة الإنسانية أخيرًا، ومهما تتلألأ في الأفق أضواء وشعل، فالمستقبل للكوكب الدري الخالد الذي لا ينطفئ نوره، لأنه من نور الحي الذي لا يزول.

بين الفكر والمنهج الحركي 

وفكر الإمام حسن البنا -رحمه الله- ومنهج حركته متلازمان في كل الأطوار التي مرت بها الجماعة في حياة الإمام الشهيد، بحيث لا يصعب على الباحث أن يقف على حقيقة كبيرة في فكرالإمام البنا -رحمه الله- ومنهجه وهي أنه يصدر في كل أمر دعوته عن أصل واحد ترسخ في عقله وقلبه ونضحت به كل تصرفاته العامة والخاصة، هو الأخذ عن الكتاب والسنة، أخذًا عمليًّا واقعيًّا، وأخذًا امتزجت فيه التربية الصوفية السليمة بالوجهة العلمية الحديثة، وبالقدرة العقلية، والكفاءة القيادية فجاء تكوينه فريدًا في نوعه حقًّا.

مميزات الإمام البنا 

فهو المربي الصوفي لأتباعه، وهو المنظم لحركته وأجهزة دعوته، وهو السياسي الذي أدرك كل ما يدور على مسرح السياسة في مصر وخارج مصر وعلى السواء، وعرف خصومه وأحجامهم وأدوارهم التي يؤدونها، وامتزج بشعب مصر، فلاحين وعمال وطلاب علم وموظفين ومهنيين، فمد جذور الدعوة ف أعماق هذا الشعب وفي كل موقع من أرض مصر، بل وفي البلاد العربية من حول مصر.

وهو الداعية الذي يملك بكلماته أزمة القلوب ويأسر الأرواح لأنه كان يصلها بأصول الفطرة، ويحركها بقوة العقيدة، ويملؤها بالأمل في مواجهة موجات اليأس من إصلاح الفساد، ويحيلها إلى سنن الله التي لا تتبدل في تغيير الأحوال، وأن نقطة البدء هي في تغيير ما بالنفس... فالتغيير الذي يريده كل غيور على مصلحة بلده لا يتحقق إلا إذا غيرنا ما بأنفسنا، وإن الوسيلة المثلى لبلوغ ذلك كله أسلوب التربية الإسلامية التي تصوغ الفرد صياغته إيمانية جديدة، عقيدة، وسلوكًا، وإرادة، وتحوله إلى رجل عقيدة ومبدأ، وتسلكه في جماعة من أمثاله، يعملون معًا متآخين في الله، ويربطهم نظام يجعل عملهم مثمرًا، يدعون إلى الله -تعالى- على بصيرة، قال تعالى:﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ...﴾[الشورى: 38]، تلك هي جماعة الإخوان المسلمين.  

الأسلوب العملي في الدعوة 

وكان هذا الأسلوب المتميز في مدرسة هذا الداعية الفذ أسلوب عملي هدفه تكوين الرجال وبناء أسر صالحة منهم ونواة مجتمع إسلامي نظيف لا تزال تتسع قاعدته في هذا المجتمع الذي خالطه الفساد، ولحق بناءه الوهن، وذبلت فيه المعاني السامية والمبادئ الأصلية والأخلاق الرفيعة التي جاء بها الإسلام، حتى تملك التأثير في سواده من الناس الذين يرون فيهم قدوة صالحة ونماذج كريمة، فينخرطون معهم في حمل أمانة الإسلام والنزول على أحكام شرعه، واتخاذه منهجا للحياة في كل مجالاتها، ولا يعرف تاريخ كبارة الدعاة إلى الله في هذا القرن وفي قرون سبقت من قبل حسن البنا في هذا المضمار حيث أوضح مفاهيم الإسلام، ومبادئه وعقيدته، وأحكامه بهذا الشمول وهذا الجلاء، في الوقت الذي ربى مئات الآلاف من الرجال والنساء تربية إسلامية ترجم فيها الأقوال إلى أفعال، والنظرية إلى واقع عملي، وقاد الجماعة في مضمار الإصلاح الاجتماعي وسلك بهم وبالأمة معهم مسالك الوطنية المؤمنة التي حاربت الاستعمار بكل قوة، وحاربت الصهاينة في فلسطين، وسجل تاريخ الجماعة فدائية المجاهدين في أشرف معارك البطولة في أكثر من موقع ونجح في أن تصبح جماعة الإخوان المسلمين بتيارها الإسلامي ووعيها السياسي ومواقفها العملية خلال الفترة الوجيزة التي عاشها أكبر قوة إسلامية وسياسية في مصر، رجحت قوتها قوة الأحزاب السياسية، وعجزت الحكومات عن احتوائها أو إضعافها، حتى هددت وجود الاستعمار ومصالحه في المنطقة كلها فلم يجدوا من طريق للخلاص منه إلا باغتياله علي يد السلطة العملية، وقد فارق الدنيا عن اثنين وأربعين عامًا من عمره ودعوته في ملايين القلوب في مصر وسائر البلاد العربية والإسلامية وفي العالم الخارجي، ولا تزال الشجرة المباركة التي وضع بذرتها، وأعطاها عمره كله وما يملك قائمة على عودها، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. 

شمولية الإسلام

جاء ومفهوم الإسلام قد أصابه الضمور لعوامل شتى وترك الحياة وقد تردد على ألسنة لا حصر لها شمول مفهوم الإسلام لشؤون المعاش والمعاد جميعًا.

وحفرت كلماته على جدار التاريخ المعاصر: "إن الإسلام دين ودولة وحضارة وأنظمة حياة، رددها العالم والطالب بل والحاكم ولو في مجال التهجم والخصومة."

وعلى هذه الدعامة نهضت جماعة الأخوان المسلمين، لا يحسن الشباب الجدل القديم ولكنه يحسن خشية الله والتوكل عليه والغيرة على محارمه، ولا يدخل في نزاع حول حقيقة “الجهة” مثلًا، ولكنه بقوله وعمله يفسر الآية الكريمة: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ… [سورة فاطر الآية:10]. 

وقد حول العقائد من دراسات نظرية تثير الشغب إلى يقين صادق، وحب تلله فيه وتوكل على الله واعتزاز به وانتماء إليه وجهاد في سبيله، وإحسان للعمل ورؤية حق الله فيه، وحب ظاهر للنبي -- وإحياء لسنته وتمسك بها.

 

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم