مقالات

رمضان

قلوب على مائدة القرآن في رمضان / المقال الثامن والعشرون: سرّ الترتيب القرآني في مطلع سورة الإسراء

قلوب على مائدة القرآن في رمضان / المقال الثامن والعشرون: سرّ الترتيب القرآني في مطلع سورة الإسراء

سرّ الترتيب القرآني في مطلع سورة الإسراء: لماذا ربط الله الإسراء بقصة بني إسرائيل

 

المقدمة: ترتيب القرآن ليس عشوائيًا:     

من يتأمل القرآن الكريم يدرك أن ترتيب الآيات والسور قائم على حكمة إلهية عميقة، فليس في القرآن الكريم انتقال عشوائي بين الموضوعات، بل كل انتقال يحمل رسالة ومعنى.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك مطلع سورة الإسراء؛ إذ تبدأ السورة بذكر معجزة الإسراء والمعراج التي أكرم الله بها نبيه محمد بن عبد الله ﷺ، ثم تنتقل مباشرة إلى الحديث عن فساد بني إسرائيل في الأرض.

فما سر هذا الانتقال؟ ولماذا جمع القرآن بين الحدثين في سياق واحد؟

أولًا: افتتاح السورة بمعجزة الإسراء: 

قال الله تعالى:﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾[الاسراء: ١].

تبدأ السورة بكلمة سبحان، وهي كلمة تعظيم وتنزيه لله، تشير إلى قدرة الله المطلقة.

قال ابن كثير في تفسيره: افتتح الله السورة بتنزيه نفسه عن كل نقص، ثم ذكر معجزة الإسراء الدالة على عظيم قدرته. (ابن كثير : 1999م،ج5،ص 5).

كما تشير الآية إلى مكانة المسجد الأقصى بوصفه أرضًا مباركة ومركزًا من مراكز الرسالات.

ثانيًا: الانتقال المفاجئ إلى قصة بني إسرائيل: 

بعد آية الإسراء مباشرة يقول الله:﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾[الإسراء: 4].

هذا الانتقال السريع يلفت الانتباه إلى وجود علاقة عميقة بين الحدثين.

قال الطبري في جامع البيان: أخبر الله نبيه بما قضى على بني إسرائيل من الفساد ليكون في ذلك عبرة للأمم. (الطبري :2001م،ج15ص11).

ثالثًا: سر العلاقة بين الإسراء وبني إسرائيل:

ذكر المفسرون عدة حكم لهذا الربط القرآني منها:

1 ) انتقال القيادة الدينية:

يرى عدد من العلماء أن الآيات تشير إلى انتقال القيادة الروحية من بني إسرائيل إلى الأمة الإسلامية.

قال محمد الطاهر ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير: ذكر قصة بني إسرائيل بعد الإسراء إشارة إلى أن الأمة التي فسدت سلبت منها القيادة، وأن الله يهيئ أمة أخرى لحمل الرسالة. (ابن عاشور: 1984م,ج15،ص15).

فالإسراء كان إعلانًا بأن مركز الرسالة أصبح مع أمة النبي محمد ﷺ.

2)ربط قضية المسجد الأقصى بالرسالة الإسلامية:

الآية الأولى تربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وكأنها تقول إن قضية الأقصى ليست قضية تاريخية لبني إسرائيل، بل جزء من رسالة الإسلام.

قال القرطبي في الجامع لأحكام  القرآن: خص الله الأقصى بالذكر لبيان فضله، وأنه موضع عبادة الأنبياء. (القرطبي :1964م,ج10،ص214)..

3 ) التحذير من تكرار نفس الأخطاء:

القرآن حين يذكر فساد الأمم السابقة لا يقصد مجرد الحكاية، بل تحذير الأمة الجديدة.

قال الله تعالى:﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ.وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾[الإسراء: 7].

أي أن نفس السنن يمكن أن تتكرر في أي أمة. 

رابعًا: سنّة قرآنية في تداول الحضارات:

القرآن يقرر قاعدة عظيمة:﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾[ال عمران :140].

وقد أشار المؤرخ ابن خلدون في مقدمة بن خلدون : إلى نفس المعنى حين قال: الدول تمر بدورات من القوة ثم الضعف بسبب الأخلاق والعدل. (ابن خلدون :ص250).

وهو ما يوافق السنن القرآنية في سقوط الحضارات الظالمة.

قصة مؤثرة من التاريخ 

يحكي المؤرخون أن حضارة عظيمة في التاريخ بلغت أوج قوتها، وكان قادتها يظنون أنها لن تسقط أبداً.

لكن بعد سنوات قليلة انتشر الظلم والفساد، فانقسم المجتمع، وانهارت الدولة من الداخل.

وهذا يصدق قول الله:﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾[الحج:45 ].

خامسًا :أبيات شعر: 

قال الشاعر:

إذا فسدَتْ أخلاقُ قومٍ فإنهم              وإن بلغتْ أمجادُهم لن يدوموا

وإن علتِ الدنيا بسلطانِ ظالمٍ               فعدلُ الإلهِ سيأتيهم ويهدمُ

           فلا تغترر بالقوة اليوم لحظةً               فعرشُ الطغاةِ مع الزمان يُحطمُ     

الواجب العملي في رمضان 

رسالة هذه الآيات ليست تاريخية فقط، بل تربوية للأمة.

سادسًا: ومن أهم الواجبات العملية:

تعظيم القرآن الكريم في حياتنا، نشر العدل في المجتمع، تربية الأبناء على الأخلاق، إدراك أن النصر يبدأ من إصلاح القلوب.

قال النبي ﷺ: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق."

سابعًا :وصية للقلب:

يا صاحب القلب… لا تقرأ قصص القرآن كأنها بعيدة عنك، فكل أمة ذكرها الله هي مرآة لأحوال البشر، والعاقل من يتعلم من تاريخ غيره. 

خاتمة: 

إن مطلع سورة الإسراء يحمل رسالة عظيمة:

الأرض المباركة لا يحفظها السلاح فقط، بل يحفظها الإيمان والعدل.

والأمم التي تفسد تفقد شرف القيادة، ويستبدل الله بها أمة أخرى.

قال تعالى:﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا.يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾[محمد:38]. 

فلنكن من الأمة التي تحمل الرسالة بحق، حتى نكون أهلًا لوعد الله بالاستخلاف والنصر.

اللهم اجعل هذا العيد عيد فرج للأمة يارب العالمين، ولأهلنا في غزة والسودان يارب العالمين.

المراجع: 

١) ابن كثير – تفسير القرآن العظيم – دار طيبة – الرياض – 1999م.

٢) الطبري – جامع البيان عن تأويل آي القرآن – دار هجر – القاهرة – 2001م.

٣) القرطبي – الجامع لأحكام القرآن – دار الكتب المصرية – القاهرة – 1964م.

٤) محمد الطاهر ابن عاشور – التحرير والتنوير – الدار التونسية للنشر – تونس – 1984م.

٥) ابن خلدون – المقدمة – دار الفكر – بيروت.

.

د. عيد كامل حافظ النوقي

داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم