ـ 1 ـ القيادة الرشيدة والرعاية الدقيقة
إن مهمة القائد الرباني سواء كان زعيما سياسيا، أو مصلحا اجتماعيا، أو مرشدا روحيا أو مربيا يعنى ببناء النفس الإنسانية والشخصية الإسلامية إنما هي قبس من مهمة الأنبياء والمرسلين فدوره أن يصلهم بالحق ويبلغهم دستور السماء ويطهر أخلاقهم ويصفي نفوسهم ويطبعها على الخير ويغسلها من أدران الرذائل حتى تستعد لحمل الأمانة وتنشط للعمل وتحرص على حماية الرسالة فإذا تطهرت النفس وصفا القلب واستعدت الفطرة جاء دور العلم وتلاه دور الحكمة ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 151] ولا تتحقق هذه المهمة إلا بالرعاية الشاملة والتفقد الدائم والمعايشة التامة بين المربي وإخوانه ولنا في رسول الله -ﷺ- الأسوة الحسنة والقدوة الكاملة.
أورد الإمام البخاري من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما: كُنْتُ مع النَّبيِّ -ﷺ- في سَفَرٍ، فَكُنْتُ علَى جَمَلٍ ثَفَالٍ إنَّما هو في آخِرِ القَوْمِ، فَمَرَّ بي النَّبيُّ ﷺ، فَقالَ: مَن هذا؟ قُلتُ: جَابِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قالَ: ما لَكَ؟ قُلتُ: إنِّي علَى جَمَلٍ ثَفَالٍ، قالَ: أَمعكَ قَضِيبٌ؟ قُلتُ: نَعَمْ، قالَ: أَعْطِنِيهِ، فأعْطَيْتُهُ، فَضَرَبَهُ، فَزَجَرَهُ، فَكانَ مِن ذلكَ المَكَانِ مِن أَوَّلِ القَوْمِ، قالَ: بِعْنِيهِ، فَقُلتُ: بَلْ هو لكَ يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: بَلْ بِعْنِيهِ، قدْ أَخَذْتُهُ بأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، ولَكَ ظَهْرُهُ إلى المَدِينَةِ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ أَخَذْتُ أَرْتَحِلُ، قالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً قدْ خَلَا منها، قالَ: فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وتُلَاعِبُكَ، قُلتُ: إنَّ أَبِي تُوُفِّيَ وتَرَكَ بَنَاتٍ، فأرَدْتُ أَنْ أَنْكِحَ امْرَأَةً قدْ جَرَّبَتْ خَلَا منها، قالَ: فَذلكَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ، قالَ: يا بلَالُ، اقْضِهِ وزِدْهُ، فأعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وزَادَهُ قِيرَاطًا. قالَ جَابِرٌ: لا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ. فَلَمْ يَكُنِ القِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ.
هذا الحديث من الأحاديث العظام ولا أدل على ذلك من ورود هذا الحديث في الكتب التسعة ما عدا الموطأ في سبعين موضعا منها في البخاري ومسلم، سبعة عشر موضعا لكل منهما، وفي هذا الحادثة دروسًا وعبرًا بالغة في أصول التربية والتوجيه.
ـ 2 ـ (خلوا ظهري للملائكة) سنة نبوية للقيادة الربانية
لقد كان من هدي رسول الله -ﷺ- حين العودة من الغزو أن يكون في مؤخرة الجيش كما أورد الإمام أحمد: كان النبي -ﷺ- يقول: (خلوا ظهري للملائكة). حتى يكون آخر القوم إيابا فيقوم على الضعفاء ويتفقد الجرحى ويستبين حاجة ذوي الحاجات صورة إسلامية مشرقة، صورة القائد مع جنده، أو صغار جنده، وكيف يتتبع أحوالهم، ويساعدهم، ويتفقد أمورهم الخاصة، ويسامرهم، ويرشدهم إلى مصالحهم، صورة القائد الذي يتصدر الجند في المعارك، ولا يتصدرهم في طريق العودة، بل يسير أمامهم، وفي وسطهم، وفي مؤخرتهم، يعين الضعيف، وينجد ذا الحاجة، صورة الإمام الذي يعطي دون أن يمن، أو يجرح.
هذا رسول الله -ﷺ- يعود من غزوة ذات الرقاع، في السنة الخامسة للهجرة، يعود بجيشه بعد نصر الله، وفي الجند جابر بن عبد الله، يركب جملاً له عليلاً، اشتد به الإعياء حتى لا يكاد يسير، فتخلف جابر عن آخر القوم، وكاد يترك الجمل في الصحراء، ويسير على أقدامه، وبينما هو يتدبر أمره فوجئ برسول الله -ﷺ- من خلفه: يسأل من هذا؟ فقال: جابر بن عبد الله؟، فقال ﷺ: يا جابر مالي أراك منكسرا؟! قلت: يا رسول الله: أبطأ بي جملي هذا. فقال: فأنخه وأناخ رسول الله ـﷺـ ثم قال: أعطني هذه العصا من يدك أو قال: اقطع لي عصا من شجرة قال: ففعلت. فنفث فيها ـ أي العصا ـ فضربه رسول الله -ﷺ- برجله ودعا له قال: اركب، فركبت فأخذ البعير يواهق (يواكب) ناقة رسول الله -ﷺ- مواهقة فمشى مشية ما مشى قبل ذلك مثلها ـ وفي رواية حتى كان أول الجيش، وفي رواية مسلم: فكنت بعد ذلك أحبس خطامه لأسمع حديثه، فقال: كيف ترى بعيرك؟ قلت: بخير قد أصابته بركتك.
ـ 3 ـ فراسة مربي الرجال في معرفة ما تشير به الأحوال
واستشف رسول الله -ﷺ- من عجلة جابر أمراً فسأله: ما يعجلك؟ قال: كنت حديث عهد بعرس. قال: أبكراً أم ثيباً؟ قال: ثيباً. قال: فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك قلت: يا رسول الله استشهد أبي يوم أحد وترك لي بنات وديناً. وكان قد استدعاني ليلة قتل فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي -ﷺ- وإني لا أترك بعدي أعز عليّ منك غير نفس رسول الله -ﷺ- فإن عليّ دينا فاقض واستوص بأخواتك خيراً. فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن، ولكن امرأة تقوم عليهن وتمشطهن.
ولقد كان رسول -ﷺ- واقعيًّا خبيرًا بشؤون الرجال ومراحل العمر واحتياج كل مرحلة فقال: فلم لم تتزوج بكرًا وأنت شاب في مقتبل الشباب؟ لماذا لم تتزوج بكرًا تلاعبها وتلاعبك؟ لماذا لم تتزوج عذراء تضاحكها وتضاحكك؟ أو تكون مازال في قلبها تعلقا بزوجها الأول فتقارن بينك وبينه أما البكر فيكون قلبها فراغا فيحل فيه الزوج محل الرضا والتعلق فيحسن تبعلها، إن الواقعية في مراعاة حاجات النفوس وطبائع القلوب ضرورة لصناعة أسرة مستقرة. وكان جابر -رضي الله عنه- واقعيًّا في رده مقدرًا لظروفه وحاجات أخواته فقال: لقد استشهد أبي يوم أحد، وترك تسعًا من البنات، فكرهت أن أتزوج بكرًا في سن بعضهن، فلا تستطيع خدمتهن، وتمشيطهن، وجمعهن، والقيام عليهن، فتزوجت امرأة تقوم مقام أمهن، وتدبر شئونهن، إنه الشعور بالمسؤولية الذي حمله على التضحية بحظ نفسه حتى يرعى أخواته
فقال ﷺ: خيراً، أصبت إن شاء الله، بارك الله لك، يا جابر: الكيس الكيس، أي (العقل العقل، والحكمة الحكمة) في معالجتك لأمور زوجك مع أخواتك، فما أصعب هذه العلاقة. أما لو جئنا صرارا (موضع قبل المدينة بثلاثة أميال) أمرنا بجزور فنحرت فأقمنا عليها يومنا ذلك وسمعتْ بنا (أي زوجته) فنفضت نمارقها، قال: فقلت يا رسول الله ما لنا من نمارق، فقال ﷺ: إنها ستكون، فاعمل عملا كيَّسا) قال: فلما جئنا صرارا أمر رسول الله -ﷺ- بجزور فنحرت وأقمنا عليها ذلك اليوم.
ـ 4 ـ لطف المواساة وصيانة المروءة عند المعاناة
لقد استشف رسول الله ـﷺـ حاجة جابر رضي الله عنه فأراد أن يقدم له المساعدة ويخفف عنه المعاناة دون أن يجرح شعوره أو يشعره بحاجته، فقال: أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ قال: قلت: بل أهبه لك يا رسول الله قال: لا ولكن بعنيه قال قلت: فسُمني به قال: قد قلت أخذته بدرهم قلت: لا إذاً أُغبن يا رسول الله. قال: فبدرهمين قال: قلت: لا قال: فلم يزل يرفع لي رسول الله ـﷺـ حتى بلغ الأوقية وقال: لك ظهره حتى تصل المدينة. قال: قلت: رضيت، وقد كان لرجل عليّ أوقية من الذهب، فهي تسد الدين، فلما أمسى رسول الله -ﷺ- سلم دخل ودخلنا، قال: فحدثت المرأة الحديث وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فدونك فسمع وطاعة.
وأصبح جابر بجمله إلى رسول الله ﷺ، فوجده على باب المسجد، فسلمه الجمل، فقال رسول الله -ﷺ- لبلال، خازن بيت المال: زن له أوقية من ذهب، وزده، فوزن له أوقية وقيراطًا، ونقده، فرجع جابر إلى بيته وقبل أن يجلس جاءه من يقول له: إن الرسول -ﷺ- يدعوك إليه. قال: سمعًا وطاعة، وأخذ يقلب الأمور، ووصل جابر، فقال له رسول الله ﷺ: أتظن أنني ساومتك على ثمن الجمل وبيعه لآخذه منك؟ الثمن لك، والجمل لك.
وقف جابر مشدوهًا، للمفاجأة، وأعاد ﷺ: لك الثمن، ولك الجمل، ومرة أخرى وقف جابر مشدوهًا لا يصدق نفسه فقال -ﷺ- مرة أخرى
لك الثمن ولك الجمل، فما أروعك وما ألطفك وما أرحمك يا رسول الله ﷺ، صدق الله العظيم الذي وصفك بقوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]
.
خالد عبدالحكم
كاتب حر، وداعية إسلامي، ماجستير البلاغة والنقد الأدبي، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.