من أخطر ما يصيب المربي أن يتحول عنده الرأي إلى هوية: "قولي صوابٌ لا يحتمل الخطأ". فإذا خولف شعر أنه يُهاجَم لا أنه يُناقَش، وإذا صوّبه أحدٌ ضاق صدره قبل أن يفحص التصويب. وهذا ما نسميه ضيق الأفق: أن لا يرى المربي الحق إلا من نافذته.
وفي مقابل ذلك رسمَ ملف "التجرد في حياة الأخ المسلم" صورةً دقيقة للمربي الواسع الأفق في مجال العلم والتعليم، نقف معها.
صورة العالم الرباني
يقول الملف إن العالم العامل الرباني الحق هو من كان يهتم بتحصيل المادة العلمية الصحيحة، مع حرصه على أن تصل إلى كل الناس بشكل صحيح حتى لو جاءت من غيره. فهو لا يغار من مصدر الصواب، ويعلم أنه لا يجوز تعلّم العلم إلا خشيةً لله، وليس على سبيل طلب الرياسة أو الجاه أو المجادلة.
ثم يضيف ملاحظة تاريخية: ما علمناه من سيرة السلف الصالح أن أحدهم كان يسعده أن يجيب عالمٌ غيره على تساؤلات المسلمين، ويفرح إن أصابه توفيق، وأنه ما وُجد "انتصار للرأي ولا تغليب لاجتهاد بغير سند إلا في فترات التخلف والتقهقر، وكأن التخلف قرين التعصب."
فعلامة الأفق الواسع أن يفرح المربي بالحق أينما ظهر، ولو ظهر على لسان غيره.
مواقف من تراجع العلماء للحق
يستشهد الملف بمواقف عدة، نقتصر منها على اثنين:
- أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: سُئل عن ميراث بنتٍ وبنتِ ابنٍ وأخت، فأفتى بأن للبنت النصف وللأخت النصف، ثم قال للسائل: ائتِ ابن مسعود فسيوافقني. فسُئل ابن مسعود رضي الله عنه فقضى بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملةً للثلثين، وما بقي فللأخت. فلما أُخبر أبو موسى قال: "لا تسألوني ما دام هذا الحَبْر فيكم." (في البخاري وغيره).
- العز بن عبد السلام رحمه الله: لقيه سائلٌ في الطريق فأفتاه، ثم تبيّن له بعد مراجعة نفسه أن فتواه خطأ، فأرسل منادياً يطوف أنحاء المدينة: "يا من أفتاه اليوم العزّ بن عبد السلام، يقول لك العزّ إن فتواه غلط." فقال أهل العلم يومها إنه تفوّق على نفسه، ولقّبوه "سلطان العلماء".
وفي مجال العبادة يذكر الملف أن رجلاً صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم بعد تحويل القبلة، ثم مرّ بمسجدٍ يصلّي أهله إلى بيت المقدس، فشهد أنه صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أُمر باستقبال الكعبة، فتحوّل المصلّون جميعًا إلى الكعبة، ولم يتوقف أحدهم ولم يعترض ولم يتكبّر. وفي هذا المشهد قبول جماعةٍ كاملة للتصويب بلا اعتراض ولا تكبّر.
أربع عادات تجعل المربي يرحّب بالتصحيح
1) اجعل معيارك الدليل لا القائل. اسأل: ما الدليل؟ لا: من قال؟ وحين يأتيك التصويب من تلميذك أو من خصمك، فاحكم عليه بالدليل. فالأصل في الاجتهاد، كما يقرر الملف، تحرّي الدليل، والاجتهاد القائم على أصول الفقه وقواعده المعتبرة، مع تأكيد أن الاجتهاد والاختلاف سنّةٌ من سنن الله لا يُنكر فيها على أحد اجتهاده.
2) رحّب بالتصويب علنًا. حين يكون التصحيح بين طلابك فقل: "جزاك الله خيرًا، الصواب ما قلت." فمن يعتذر عن خطئه أمام طلابه يعلّمهم من العلم ما لا تعلّمه الكتب.
3) اعرف أنك لست الطريق الوحيد. وتأمل قول الملف عن اختلاف الطرق: "من الجهل بطبيعة الطريق الزعم بأن خططنا هي الوحيدة الناجحة، كما أنه من التعصب الذميم الزعم بأننا الأفضل، ذلك أن تعقيد المتغيرات وتشابك عوامل النجاح والفشل يجعل أمر التخطيط أمرًا اجتهاديًّا." فللمربين الآخرين طرقهم، ولا بأس أن تسير كل مدرسة وفق رؤيتها، فإن فشلت تجربة بقي الأمل في غيرها.
4) ألِن الخطاب. ومن هدي الإسلام إنزال الناس منازلهم، والاحترام المتبادل، والتزام محاسن الأخلاق عند الاختلاف والحوار، وعند تقديم النصيحة، وعند التشاور. وقد وجّه الله نبيه وأمته: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].
خاتمة
اختبر نفسك هذا الأسبوع: حين يُصحّح لك أحدهم معلومة، ماذا يتحرك في صدرك أولًا: الفرح بالحق أم الدفاع عن النفس؟ فإن كان الأول فأفقك واسع، وإلا فاعلم أنك بحاجة إلى تدريب. وهذا التدريب أول ما يتعلّمه طلابك منك دون أن تتحدث عنه.
اقرأ أيضًا: هل هو بالمعروف؟ السؤال الذي يختصر ميزانية البيت كلها
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.