مقالات

حين يصبح العمل طريقًا إلى الله

حين يصبح العمل طريقًا إلى الله

جيل التمكين بين الدنيا والآخرة

جيل التمكين جيل حي يعيش الحياة النظيفة الطاهرة، ينعم بخيرها ويتمتع بها في ضوء إرشاد ربه وتوجيهه لها، فهو غير منعزل عن الدنيا، ولا داخل كهف بعيد عن الحياة والأحياء، بل هو قاطرة من حوله، وداعية من سواه، يدرك أنه صاحب رسالة وهداية، يريد أن يرشد الناس إليها ويدلهم عليها، ويوقن بأن طيبات الحياة في الأصل أنها للمسلم، ومن عداه تبع له، (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ( الأعراف:31-33)، ويعلم أنه مطالب بإعمار الحياة أيا كانت إمكاناته وقدراته، وعلى قدر ما لديه، (فالإمداد على قدر الاستعداد).

 يمضي بهذه النظرة في الحياة فيمضي على الأرض ورأسه في السماء، يعيش في الدنيا وقلبه في الآخرة، يعلم أن الحياة في سبيل الله مثل الموت في سبيل الله سواء بسواء، ذلك لأنه مطالب بإعمار الدنيا بالدين، يخضعها لمنهاجه، ويسيرها حسب تعاليمه وهديه، فإذا تعلم تعلم باسم الله، أو قرأ قرأ باسم الله، (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق) ( العلق: 1, 2.)، وإذا طعم أو شرب فباسم الله، يستحضر قوله - صلى الله عليه وسلم -:( إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فان استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها)( أخرجه البخاري).

أول ما يخطر على البال هو هذه العجيبة التي يتميز بها الإسلام: أن طريق الآخرة هو هو طريق الدنيا بلا اختلاف ولا افتراق! 

إنهما ليسا طريقين منفصلين: أحدهما للدنيا والآخر للآخرة ! وإنما هو طريق واحد يشمل هذه وتلك، ويربط ما بين هذه وتلك ليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة، وطريق للدنيا اسمه العمل! 

وإنما هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة، وهو طريق لا يفترق فيه العمل عن العبادة ولا العبادة عن العمل، كلاهما شيء واحد في نظر الإسلام، وكلاهما يسير جنبا إلى جنب في هذا الطريق الواحد الذي لا طريق سواه!... والذي يلفت النظر هنا ليس تقدير قيمة العمل فحسب، وإنما إبرازه على أنه الطريق إلى الآخرة الذي لا طريق آخر سواه.)( قبسات من الرسول).

وقد كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- الترجمة الكاملة الصادقة للحقيقة الإسلامية، ومن ثم كانت الدنيا والآخرة في نفسه طريقا واحدا ونهجا واحدا و"حسبة" واحدة،.. لقد كان يحارب في سبيل الله، ويسالم في سبيل الله، ويدعو الناس إلى سبيل الله، ويأكل باسم الله، ويتزوج على سنة الله، ويهدم ويبني، ويحطم وينشئ، ويهاجر ويتوطن... كل ذلك في سبيل الله، واليوم الآخر، يوم يلقى الله، فكل عمله إذن عبادة يتوجه بها إلى الله، والطريق أمامه واحد... هو الطريق إلى الله.. وهو يسير في الطريق الأوحد الذي لا طريق غيره، يسير قدما لا يلتفت ولا يتحول ولا يكف عن المسير.. إلى آخر لحظة من حياته - صلى الله عليه وسلم- كان يسير في الطريق، كان يعمل في الدنيا وهو يبغي الآخرة، ويعمل للآخرة بالعمل في الأرض.. حتي اللحظة الأخيرة لم يزايله انشغاله بأمور الدنيا.. بأمور الناس.. بإصلاح الأرض.. بهداية البشرية.. برسم المنهج الذي يسيرون عليه.. بتوطيد أركان الدين وتوثيق عراه.. وكان يقول والوجع يشتد عليه - صلى الله عليه وسلم-: "ايتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا.."، كانت في يده الفسيلة وكان يغرسها.. ولم يدع يديه منها حتى فاضت روحه الكريمة الطاهرة إلى مولاه..).

 

رسالة الإسلام في الحياة للأحياء لا للأموات

والناظر في آيات القرآن وتوجيهاته للإنسان يجد أنها تعنى بجانب الحياة والإعمار، ولو حصرنا الآيات التي تناولت الأرض، والبحار، والأمطار، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، وظواهر الكون، وقارناها بالآيات التي ذكرت العبادات بان لنا إلى أي مدى يعنى الإسلام بالحياة وإعمارها، والمسلم مطالب بالوقوف عند هذه الإشارات والتصريحات،حتى يعمر الأرض باسم الله، وعندما طالب الله عباده بالسير في الأرض أمرهم أن يتسنموا قممها، ويرتفقوا خيرها، ولا يكتفوا باليسير السهل من عطاءها، (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) ( الملك: 15).

إن المسلم مطالب بأن يسخر الدنيا للدين، ويعمل في الدنيا وعينه على الآخرة، ولقد عاش الرسول - صلى الله عليه وسلم- والصحب الكرام هذا المعنى فعملوا في الدنيا بقلوب أهل الآخرة وعملوا للآخرة عن طريق الدنيا فكانوا(رهبانا بالليل فرسانا بالنهار) (وفي ذلك درس يقتدي به المسلمون ويهدون البشرية الضالة إلى سواء السبيل، يتعلمون أن يربطوا طريق الدنيا بطريق الآخرة، يتعلمون أن الدين ليس عزلة عن الحياة، وإنما هو من صميم الحياة، يتعلمون أنهم لا يرضون ربهم ولا يخدمون دينهم، وهم ينعزلون عن تيار الحياة الصاخب المضطرب فلا يركبون فيه مراكبهم مع الراكبين...

لن يرضوا الله ولن يخدموا الدين إذا دخلوا المدرسة أو الجامعة أو المعمل أو المصنع أو المتجر وفي حسابهم أنهم الآن يعملون للأرض ويعملون للدنيا، وأنهم في لحظة أخرى حين يفرغون من عمل الأرض سيعودون – إذا عادوا – إلى الله، فيعبدونه ويتوجهون إليه! كلا! ليس ذلك من الإسلام! إنما الإسلام أن يأكلوا باسم الله، ويتزوجوا باسم الله، ويتعلموا باسم الله وفي سبيل الله ويعملوا وينتجوا ويتقووا ويستعدوا .. في سبيل الله، لا تشغلهم الدنيا عن الآخرة، ولا الآخرة عن الدنيا؛ لأنهما طريق واحد لا يفترقان..)

 

دور الأمة في الشهود الحضاري وعلاقته بالتمكين

ومن يتأمل في آيات القرآن يجد هذا الدفع الحضاري المتين إلى الأمام، فقد بين القرآن أن وظيفة الأمة تكمن في الشهادة على الناس، وهذا سر جعلها الأمة الوسط، فالله – تعالى- يقول:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) ( البقرة:143)، فهذه الآية تعلل وسطية الأمة بشهادتها على الناس، وهذه الشهادة إما من الإخبار وإما من الشهود والحضور،والوسط من كل شيء أفضله وأقربه.

 والآية الكريمة تعني: ( إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم -عليه السلام- واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم؛ لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسط ههنا: الخيار والأجود، .... ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: { هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس}( الحج:78)، وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: [ يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت ؟ فيقول: نعم فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد فيقال لنوح: من يشهد لك ؟ فيقول: محمد وأمته قال فذلك قوله: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال: والوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ] رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن الأعمش.

إن الأمة مؤهلة بهذه الوسطية التي هي من خصائصها لأن تكون شاهدة على الناس في الآخرة بتعديل العدل وتجريح المجروح، وفي الدنيا بضبط معايير الناس في الحياة ونشر الخير والعدالة وتعبيد الناس لله، وذلك هدف التمكين الذي يبتغيه ورسالته التي يسعى إليها.

 

علاقة التمكين بفهم المسلمين لرسالة الإسلام

والتمكين للإسلام مرتبط بفهم المسلمين لرسالته على الوجه الذي يريده الله منهم، لا على الوجه الذي تمليه عليهم بيئاتهم أو أعرافهم أوعاداتهم وتقاليدهم، (فهناك فرق بين تعاليم إسلامية وتقاليد بشرية)، ولو وعي المسلمون رسالة القرآن والإسلام وأحسنوا عرضها لتغير حالهم وحال من يتعاملون معهم من الأمم، (فالوعي أساس السعي)، ولقد طالب الله المؤمن بهذا الوعي والفهم قبل أي شيء حتى قبل الاعتقاد وسماه الله علما في قوله: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم)( محمد: 19)، فطالب الله المؤمن بالعلم قبل العقيدة والعمل، وضبط المعايير والمفاهيم لدى المسلمين من الأهمية بمكان.

 

وإذا تتبعنا النماذج التي مكن لها في الأرض وجدنا هذه الصفة معلما من معالم حياتهم، ومن هؤلاء:

يوسف وإحسان الحياة في سبيل الله

وتلحظ هذه الصفة من صفات جيل التمكين وهي: إحسان الحياة في سبيل الله كإحسان الموت في سبيل الله لدي نبي الله يوسف فإنك تلحظ في حياته خطين متوازيين خط الرغبة في الآخرة والحرص على أعلى درجاتها والتحلى بتلك المؤهلات التي تؤهل لها من: الربانية، والإحسان، والإخلاص، وطلب أن يتوفى مسلما، ويلحق بالصالحين، والاعتماد على الله، والالتجاء إليه في السراء والضراء، والعفو عن ظالميه، والإغضاء عن هفوات غيره وعدم ذكر مساءته، ... مع خط الحرص على إعمار الحياة، ونفع الغير، وتصحيح المفاهيم وإرشاد الغير للخير وذكر الجميل وعرفانه وعدم نكرانه وإحسان التعامل مع الناس على اختلاف عقولهم وبيئاتهم، واختيار سجن الجسد على مساس الروح وتقديم النصح الخالص لكل أحد حتى إلى من آذوه وألقوه في غيابت الجب أو غيابات السجن والكيد الحسن للوصول إلى مراده، وحرصه على القيم في عدم أخذ غير من وجد متاعهم عنده، وذكاؤه في التعامل ببدئه بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، ثم استخراجها من وعاء أخيه،وعتبه الجميل الرقيق لإخوته، ولامرأة العزيز، والتماسه العذر لصاحب الذنب، إلى غير ذلك من جوانب الموازنة بين إحسان الحياة والحرص على خيراتها والرغبة في الآخرة والعمل من أجلها...

 

ومن النماذج التي أحسنت الحياة في سبيل الله لها ولمن حولها ذو القرنين وبدا ذلك في:

موقفه من بناء السد

إن ذا القرنين عندما سمع من هؤلاء القوم رغبتهم في بناء السد لم يكتف منهم بالكلام بل أرشدهم إلى الحركة والعمل وبذل الوسع في الوصول إلى حياة آمنة هانئة، وهم طلبوا منه هذه المساعدة لما رأوا فيه من صفات.

 (وهم عندما وجدوه فاتحا قويا، وتوسموا فيه القدرة والصلاح.. عرضوا عليه أن يقيم لهم سدا في وجه يأجوج ومأجوج الذين يهاجمونهم من وراء الحاجزين، ويغيرون عليهم من ذلك الممر، فيعيثون في أرضهم فسادا، ولا يقدرون هم على دفعهم وصدهم .. وذلك في مقابل خراج من المال يجمعونه له من بينهم. وتبعا للمنهج الصالح الذي أعلنه ذلك الحاكم الصالح من مقاومة الفساد في الأرض فقد رد عليهم عرضهم الذي عرضوه من المال، وتطوع بإقامة السد، ورأى أن أيسر طريقة لإقامته هي ردم الممر بين الحاجزين الطبيعيين، فطلب إلى أولئك القوم المتخلفين أن يعينوه بقوتهم المادية والعضلية: (فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما. آتوني زبر الحديد).. فجمعوا له قطع الحديد، وكومها في الفتحة بين الحاجزين، فأصبحا كأنهما صدفتان تغلفان ذلك الكوم بينهما.

(حتى إذا ساوى بين الصدفين)، وأصبح الركام بمساواة القمتين (قال:انفخوا)على النار لتسخين الحديد (حتى إذا جعله نارا) كله لشدة توهجه واحمراره (قال:آتوني أفرغ عليه قطرا)أي نحاسا مذابا يتخلل الحديد، ويختلط به فيزيده صلابة)( في ظلال القرآن:4/2292).

إن جيل التمكين الذي عاشه وهنئ به جيل يسخر الدنيا للدين، يصلحها به ويعيشها على ضوءه فليس الدين عبادات معزولة عن واقع الحياة، ولا ترنيمات مبتورة الصلة بالواقع المعيش بل هي دوافع للبشر لينعموا بالحياة السوية الصالحة دون وكس ولا شطط.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم