المقدمة:
هناك ليلة في العام ليست ككل الليالي… ليلة تتنزل فيها الرحمة، وتُفتح فيها أبواب السماء، وتُكتب فيها الأقدار، وتُغفر فيها الذنوب.
إنها ليلة القدر، الليلة التي قد تغيِّر دعوةٌ صادقة فيها مسار حياة إنسان، وقد ترفع دمعةُ تائبٍ صاحبها من حضيض الذنب إلى مقام القرب.
إنها ليلة جعلها الله خيرًا من ألف شهر، أي خيرًا من أكثر من ثلاثٍ وثمانين سنة من العبادة.
فيا له من فضلٍ عظيم، ويا لها من فرصةٍ ربانية لا تعوَّض.
أولًا: ليلة القدر في القرآن الكريم:
أنزل الله فيها سورة كاملة تُخلِّد عظمتها، فقال تعالى:﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾[القدر: 1–5].
قال الإمام ابن كثير في تفسيره: "أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر." (ابن كثير: 1999م، ج8، ص441).
وقال الإمام القرطبي في الجامع: "سميت ليلة القدر لعظم قدرها وشرفها عند الله." [القرطبي:1964م، ج20، ص130].
ثانيًا: فضل ليلة القدر في السنة النبوية:
جاءت الأحاديث النبوية لتؤكد عظمة هذه الليلة.
قال النبي ﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه البخاري ومسلم).
وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: قلتُ: يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» (رواه الترمذي).
قال الإمام النووي: "فيه استحباب الإكثار من الدعاء في ليلة القدر، وأفضل الدعاء طلب العفو." (النووي، شرح صحيح مسلم، 2002م، ج6، ص42).
ثالثًا: لماذا سُمِّيت ليلة القدر:
ذكر العلماء عدة معانٍ لاسمها.
قال الإمام الزمخشري في الكشاف: لأنها ليلة ذات قدر عظيم، أو لأن الله يقدِّر فيها الأرزاق والآجال، أو لأن العبادة فيها ذات قدر عظيم. (الزمخشري: 2009م، ج4، ص780).
وقال ابن عاشور في التحرير والتوير: "المراد بالقدر هنا الشرف والرفعة، لأن هذه الليلة عظيمة الشأن في ميزان الله." (ابن عاشور: 1984م، ج30، ص458).
رابعًا: كيف كان النبي يحيي ليلة القدر:
كان النبي -ﷺ- إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان اجتهد في العبادة اجتهادًا عظيمًا.
قالت عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله إذا دخلت العشر الأواخر شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» (رواه البخاري ومسلم).
قال ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف: "فيه دليل على استحباب إحياء ليالي العشر كلها طلبًا لليلة القدر." (ابن رجب: 2007م، ص203).
خامسًا: ليلة القدر… حين تتغير حياة الإنسان:
كم من إنسان دخل ليلة القدر مثقلًا بالذنوب، وخرج منها وقد غُفرت خطاياه!
وكم من قلبٍ كان بعيدًا عن الله، فاقترب في تلك الليلة، فصار من الصالحين.
إنها ليلة قد تغيّر مسار العمر كله.
يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في تفسيره: "ليلة القدر هدية ربانية للأمة، ليعوض الله بها من قصرت أعمارهم عن أعمار الأمم السابقة."،(الشعراوي:1997م).
سادسًا: ليلة القدر في واقع حياتنا:
للأسف، يضيع كثير من الناس هذه الليلة العظيمة: بعضهم يسهر أمام الشاشات، وبعضهم يضيعها في الأسواق، وبعضهم ينام عنها. بينما قلوب الصالحين تنتظرها طوال العام.
قال ابن القيم في زاد المعاد: "ليلة القدر موسم عظيم للعبادة، والموفق من اغتنمها."،(ابن القيم: 1998م، ج2، ص67).
سابعًا: برنامج عملي لاغتنام ليلة القدر:
يمكن لكل مسلم أن يحيي هذه الليلة بسهولة إذا نظم وقته:
_صلاة العشاء والتراويح بخشوع.
_قراءة جزء من القرآن.
صلاة ركعات من قيام الليل.
_الإكثار من الدعاء والاستغفار.
_ترديد دعاء ليلة القدر:
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.
وصية عملية:
_لا تجعل ليلة القدر تمر كغيرها من الليالي.
فربما: دعوة واحدة فيها تغيّر حياتك، دمعة واحدة تمحو ذنوبك، سجدة واحدة ترفعك درجات عند الله.
أبيات شعر:
يا ليلةَ القدرِ كم فيكِ من أمـلٍ للقلبِ حينَ يناجي ربَّه السَّمِعا
فيكِ الملائكُ تمشي في أزقتنا وتنشرُ الأمنَ والإيمانَ والورعا
طوبى لمن قامها للهِ مبتهلًا فنالَ عفوًا وغفرانًا وما طمعا
إنَّ الليالي تمضي دونما أثرٍ إلا التي صعدتْ فيها الدموعُ دُعا
خاتمة:
يا صديقي: قد تمر علينا آلاف الليالي، لكن ليلة القدر قد لا تمر إلا مرة في العمر بقلبٍ حاضرٍ صادق.
فإذا أقبلت هذه الليلة، فلا تنشغل عنها، ولا تضيعها…
قف بين يدي الله، وارفع يديك…
وقل بقلبٍ منكسر: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.
فلعلها تكون الليلة التي يغيّر الله بها مصيرك إلى الأبد.
اللهم فرجًا عاجلًا لأهلنا في غزة والسودان يارب العالمين. اللهم آمين.
المراجع:
١)ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، الرياض، 1999م.
٢)القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1964م.
٣)الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل، دار المعرفة، بيروت، 2009م.
٤)ابن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.
٥)النووي، شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 2002م.
٦)ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف، دار ٧)ابن كثير، دمشق، 2007م.
٨)ابن القيم، زاد المعاد، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1998م.
٩)الشعراوي، محمد متولي، تفسير الشعراوي، مطابع أخبار اليوم، القاهرة، 1997م.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية