مقالات

رمضان

قلوب على مائدة القرآن في رمضان / المقال الخامس: زكاةُ القلب قبل زكاةِ المال… تطهيرُ الداخل أولًا

قلوب على مائدة القرآن في رمضان / المقال الخامس: زكاةُ القلب قبل زكاةِ المال… تطهيرُ الداخل أولًا

لماذا نبدأ بالقلب

رمضان موسمُ الزكاة؛ تُزكّى فيه الأموال، وتُطهِّر الصدقاتُ الأرصدةَ ،والبيوت. لكن القرآن يلفت نظرنا إلى زكاةٍ أعمق وأسبق: زكاة القلب.

قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9–10].

فالنجاح الحقيقي ليس في زيادة الرصيد، بل في تزكية الداخل؛ لأن المال ثمرة، أمّا القلب فهو الجذر. وإذا صلح الجذر أثمر كلُّ فرع.

أولًا: مفهوم زكاة القلب في القرآن:

الزكاة في أصلها اللغوي: النماء ،والطهارة.

والقرآن يجعل التزكية أساس الفلاح:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14].

﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، [الشعراء: 88–89]

يقول الإمام ابن كثير في تفسيره: القلب السليم هو السالم من الشرك، والشك والغل والحسد. [تفسير ابن كثير، 1999م].

ويؤكد ابن القيم أن التزكية “حقيقتها: إصلاح القلب من أدرانه حتى يصير موضعًا لنور الله”. [مدارج السالكين، 1996م].

ثانيًا: القلب… موطن النظر الإلهي

قال ﷺ: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (رواه مسلم).

فالقلوب هي محلّ الامتحان، ومنها تنطلق النيات،والنية روح العمل؛ قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" (متفق عليه).

وفي رمضان تتضاعف الأعمال، لكن الذي يُضاعَف حقيقةً هو صدق القلوب.

ثالثًا: أمراض القلب لماذا تحتاج إلى زكاة

القرآن سمّى بعض القلوب “مريضة”:

﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: 10].

من أمراض القلب:

الرياء

الحسد

الكِبر

الغلّ

حبّ الدنيا المفرط

قال الغزالي: أخطر الأمراض ما كان في الباطن؛ لأنه يُفسد العبادة من حيث لا يشعر صاحبها (إحياء علوم الدين).

وزكاة القلب تعني

إخلاص النية

العفو عن الناس

حسن الظن بالله

محاسبة النفس

رابعًا: بين زكاة المال، وزكاة القلب

زكاة المال تطهّر الخارج:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾، [التوبة: 103].

لكن التطهير الكامل يبدأ من الداخل؛ فإذا طاب القلب، طابت اليد المعطية.

قال الحسن البصري: ما سبقهم أبوبكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه.

قصة ملهمة: سرُّ الصدقة الخفية

كان أحد الصالحين يضع صدقته ليلًا عند باب فقيرٍ لا يعرفه، حتى مات. فلما انقطعت الصدقة بكى الفقير وقال: "فقدتُ من كان يزكّي قلبي قبل أن يزكّي مالي".

فليس العطاء في الكمّ، بل في سرّ الإخلاص.

خامسًا: رمضان مدرسة تزكية القلوب

رمضان يعلّمنا:

الصوم عن الشهوات

كظم الغيظ

الإحسان للناس

قيام الليل ،وخلوة المحاسبة

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

والتقوى محلها القلب.

أبيات شعرفي تزكية القلب

يا قلبُ طهِّرْ سرَّكَ المخفيَّا           واجعلْ إخلاصَكَ نورًا حيَّا

لا خيرَ في مالٍ بغيرِ تقى             والقلبُ إن صفا سما عليَّا

زكِّ الفؤادَ قبلَ درهمِهِ              فالدرهمُ الفاني سيُطوَى طيَّا

سادسًا: الربط بالواقع اليومي

في زمن الاستعراض الرقمي، قد تُنشَر الصدقة صورةً، ويُعلَن الخير خبرًا.

ليس الحرام في الإعلان، ولكن الخطر في فساد النية.

فلنفتّش قلوبنا:

لماذا نفعل الخير؟

لمن نكتب؟

لمن نصوم؟

قال سفيان الثوري: ما عالجتُ شيئًا أشدّ عليّ من نيتي.

واجب عملي

خصّص 10 دقائق يوميًا لمحاسبة القلب قبل النوم.

تصدّق بصدقةٍ سرّية لا يعلمها أحد.

اعفُ عمّن ظلمك، ولو برسالة دعاء.

استحضر نية خالصة قبل كل عبادة.

وصية:

اجعل قلبك هو مشروعك الأكبر رمضان هذا.

خاتمة

يوم القيامة تُوزَن القلوب قبل الجيوب.

وتُفتَح الصحائف على ما في الصدور.

فطوبى لمن جاء بقلبٍ خفيفٍ من الأحقاد، ثقيلٍ بالإخلاص.

اللهم زكِّ قلوبنا، وطهّر سرائرنا، واجعل رمضان نقطة تحوّل في أعماقنا قبل أعمالنا.

المراجع العربية:

١)ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، الرياض، 1999م.

٢)ابن القيم، مدارج السالكين، دار الكتاب العربي، بيروت، 1996م.

٣)الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، د.ت.

٤)النووي، شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1392هـ.

٥)القرضاوي، فقه الزكاة، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1973م.

.

د. عيد كامل حافظ النوقي

داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم