الأسرة

المرأة المسلمة

ادفعي بالتي هي أحسن

ادفعي بالتي هي أحسن

يظنّ كثيرون أن القوّة أن تردّ الإساءة بمثلها، وأن اللين ضعف، وأن الحلم عجز. والقرآن الكريم يعلّمنا عكس ذلك تمامًا؛ فالقوّة الحقيقية أن تملك نفسك عند الغضب، وأن تقابل السيئة بالحسنة، فتنقلب العداوة مودّة. وهذه من أرفع صفات العابدين: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. وأيّ ميدانٍ لهذه الصفة أوسع من بيت المرأة وعلاقاتها؟

فالمرأة العابدة لينة الجانب حسنة المعاشرة؛ تعرف أن أثرها في بيتها لا يُصنع بالمغالبة والمقابلة بالمثل، بل بالكلمة الطيّبة والحلم عند الغضب. وكم من بيتٍ حفظته امرأةٌ ردّت الإساءة بإحسان، فأطفأت نارًا كادت تلتهمه؛ وكم من علاقةٍ أنقذها حلمُ امرأةٍ آثرت العفو على الانتصار للنفس.

 

الحلم لا الاستفزاز

من صفات العابد أنه حليمٌ رزين، لا تستخفّه الجهالة ولا الجاهلون، ويلقى من يخاطبه بجهلٍ بالإعراض الجميل: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]. والمرأة التي تملك هذا الحلم لا تُستفزّ بسهولة، ولا تُشعل خلافًا من كلمةٍ عابرة، ولا تردّ الغضب بغضبٍ يزيد النار اشتعالًا. فحلمها قوّةٌ تحفظ بيتها، لا ضعفٌ يُستغلّ؛ فالحليمة تُطفئ، والمستفزَّة تُشعل.

 

دفع السيئة بالحسنة في البيت

قد يسيء الزوج في لحظة غضب، أو يجفو قريبٌ، أو تُخطئ جارة؛ والمرأة العابدة لا تردّ الإساءة بمثلها، بل تدفع بالتي هي أحسن. وهذا ليس ضعفًا ولا ذلًّا، بل حكمةٌ وقوّة؛ لأن مقابلة الإساءة بالإساءة تُضاعف الشرّ، ومقابلتها بالإحسان تنزع فتيله. وقد وعد الله على ذلك ثمرةً عجيبة: أن ينقلب الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم. فكم من موقفٍ غيّرت فيه المرأة قلبًا قاسيًا بكلمةٍ حانية أو عفوٍ في موضع الانتقام.

 

القصد في كلّ شيء

ومن صفات العابد القصدُ والاعتدال، ومنه القصد في الإنفاق: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]. والمرأة ركنٌ في تدبير بيتها؛ فقصدها في الإنفاق ــ لا إسرافٌ يُثقل ولا تقتيرٌ يُحرم ــ يحفظ بيتها من الاضطراب، ويربّي أبناءها على الاعتدال. فحسن التدبير من العبادة، كما أن حسن الخلق من العبادة.

 

قلبٌ مطمئنٌّ لا يقنط

وفوق ذلك، للمرأة العابدة قلبٌ واسع الأمل بالله لا يقنط من رحمته: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53]. فمهما أثقلتها الأيام، أو تعثّرت في حقّ ربّها، تظلّ موصولةً برجاءٍ لا ينقطع؛ وهذا الرجاء نفسه يمنحها الطمأنينة التي تظلّل بيتها كله. فالمرأة المطمئنّة تنشر الطمأنينة، والقلقة تنشر القلق.

 

خاتمة

قوّتكِ ليست في أن تردّي الإساءة بمثلها، بل في أن تملكي نفسكِ فتدفعي بالتي هي أحسن؛ فتُطفئي حيث يُشعل غيركِ، وتجمعي حيث يُفرّق سواكِ. فكوني لينة الجانب حليمةً محسنة، مطمئنّةً برجاءٍ في الله لا ينقطع؛ فبهذا اللين الذي يظنّه الناس ضعفًا، تصنعين من القوّة ما لا تصنعه المغالبة، وتحفظين بيتكِ وعلاقاتكِ بأرفع أخلاق العابدين.

 

 

اقرأ أيضًا: عبادةٌ لا تظهر في المحراب وحده: صفات العابدة في بيتها ومع الناس | بيتٌ تصنعه امرأة ربّانية: كيف يصير البيت قبلةً للقلوب؟

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم