رسالة الإسلام في الحياة للأحياء لا للأموات
والناظر في آيات القرآن وتوجيهاته للإنسان يجد أنها تعنى بجانب الحياة والإعمار، ولو حصرنا الآيات التي تناولت الأرض، والبحار، والأمطار، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، وظواهر الكون، وقارناها بالآيات التي ذكرت العبادات بان لنا إلى أي مدى يعنى الإسلام بالحياة وإعمارها، والمسلم مطالب بالوقوف عند هذه الإشارات والتصريحات،حتى يعمر الأرض باسم الله، وعندما طالب الله عباده بالسير في الأرض أمرهم أن يتسنموا قممها، ويرتفقوا خيرها، ولا يكتفوا باليسير السهل من عطاءها، قال تعالى:﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾[الملك:15].
إن المسلم مطالب بأن يسخر الدنيا للدين، ويعمل في الدنيا وعينه على الآخرة، ولقد عاش الرسول -ﷺ- والصحب الكرام هذا المعنى فعملوا في الدنيا بقلوب أهل الآخرة وعملوا للآخرة عن طريق الدنيا فكانوا رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار (وفي ذلك درس يقتدي به المسلمون ويهدون البشرية الضالة إلى سواء السبيل، يتعلمون أن يربطوا طريق الدنيا بطريق الآخرة، يتعلمون أن الدين ليس عزلة عن الحياة، وإنما هو من صميم الحياة، يتعلمون أنهم لا يرضون ربهم ولا يخدمون دينهم، وهم ينعزلون عن تيار الحياة الصاخب المضطرب فلا يركبون فيه مراكبهم مع الراكبين...لن يرضوا الله ولن يخدموا الدين إذا دخلوا المدرسة أو الجامعة أو المعمل أو المصنع أو المتجر وفي حسابهم أنهم الآن يعملون للأرض ويعملون للدنيا، وأنهم في لحظة أخرى حين يفرغون من عمل الأرض سيعودون – إذا عادوا – إلى الله، فيعبدونه ويتوجهون إليه! كلا! ليس ذلك من الإسلام! إنما الإسلام أن يأكلوا باسم الله، ويتزوجوا باسم الله، ويتعلموا باسم الله وفي سبيل الله ويعملوا وينتجوا ويتقووا ويستعدوا .. في سبيل الله، لا تشغلهم الدنيا عن الآخرة، ولا الآخرة عن الدنيا؛ لأنهما طريق واحد لا يفترقان..) [قبسات من الرسول: 23, 24].
دور الأمة في الشهود الحضاري وعلاقته بالتمكين
ومن يتأمل في آيات القرآن يجد هذا الدفع الحضاري المتين إلى الأمام، فقد بين القرآن أن وظيفة الأمة تكمن في الشهادة على الناس، وهذا سر جعلها الأمة الوسط، فالله – تعالى- قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:143]، فهذه الآية تعلل وسطية الأمة بشهادتها على الناس، وهذه الشهادة إما من الإخبار وإما من الشهود والحضور، والوسط من كل شيء أفضله وأقربه.
والآية الكريمة تعني: ( إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم -عليه السلام- واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم؛ لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسط ههنا: الخيار والأجود، .... ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾[الحج:78]، وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال : قال رسول الله ﷺ: (يدعى نوح يوم القيامة فيقال له : هل بلغت ؟ فيقول : نعم فيدعى قومه فيقال لهم : هل بلغكم فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد فيقال لنوح: مَنْ يشهد لك؟ فيقول : محمد وأمته قال فذلك قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: والوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم) [رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن الأعمش]. وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ﷺ: (يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه فيقال: هل بلغكم هذا ؟ فيقولون: لا، فيقال له: هل بلغت قومك ؟ فيقول : نعم فيقال : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته فيدعى محمد وأمته فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه ؟ فيقولون: نعم فيقال: وما علمكم ؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا) فذلك قوله- عز وجل-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، قال: عدلًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ وقال أحمد أيضًا: حدثنا أبومعاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري عن النبي -ﷺ- في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلا، وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه وابن أبي حاتم من حديث عبد الواحد بن زياد عن أبي مالك الأشجعي عن المغيرة بن عتيبة بن نباس حدثني مكاتب لنا عن جابر بن عبد الله عن النبي -ﷺ- قال: (أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق ما من الناس أحد إلا ود أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ربه عز وجل) [تفسير القرآن العظيم: 1/ 258, وانظر روح المعاني: 2/5].
إن الأمة مؤهلة بهذه الوسطية التي هي من خصائصها لأن تكون شاهدة على الناس في الآخرة بتعديل العدل وتجريح المجروح، وفي الدنيا بضبط معايير الناس في الحياة ونشر الخير والعدالة وتعبيد الناس لله، وذلك هدف التمكين الذي يبتغيه ورسالته التي يسعى إليها.
.