رسالة التربية

الأخوة الإنسانية

الأخوة الإنسانية

ربانية الدعوة

أخص خصائص دعوتنا أنها ربانية عالمية:

أـ أما أنها ربانية فلأن الأساس الذي تدور عليه أهدافنا جميعا، أن يتعرف الناس إلى ربهم، وأن يستمدوا من فيض هذه الصلة روحانية كريمة تسموا بأنفسهم عن جمود المادة الصماء وجحودها إلى طهر الإنسانية الفاضلة وجمالها. 

نحن الإخوان المسلمين لنهتف من كل قلوبنا: "الله غايتنا" فأول أهداف هذه الدعوة أن يتذكر الناس من جديد هذه الصلة التي تربطهم بالله تبارك وتعالى والتي نسوها فأنساهم الله أنفسهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:21). 

وهذا في الحقيقة هو المفتاح الأول لمغاليق المشكلات الإنسانية التي أوصدها الجمود والمادية في وجوه البشر جميعاً فلم يستطيعوا إلى حلها سبيلاً، وبغير هذا المفتاح فلا إصلاح.

ب- وأما أنها عالم ية فلأنها موجهه إلى الناس كافه لأن الناس في حكمها إخوة: أصلهم واحد، وأبوهم واحد، ونسبهم واحد، لا يتفاضلون إلا بالتقوى وبما يقدم أحدهم المجموع من خير سابغ وفضل شامل  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:1). 

فنحن لا نؤمن بالعنصرية الجنسية ولا نشجع عصبية الأجناس والألوان، ولكن ندعوإلى الأخوة العادلة بين بنى الإنسان.

قرأت لأحد زعماء الغرب أنه يقسم الجنس البشرى إلى مبتكرين ومحافظين ومخربين، وهو يعتبر قومه مبتكرين ويعتبر قوما آخرين من الغربيين محافظين، ويعتبرنا نحن الشرقيين وما إلينا عدا هذين مخربين ومدمرين، 

هذا التقسيم ظالم جائر فضلا عن أنه غير صحيح بأصله، فالجنس البشرى كله مرده إلى دم واحد وطينه واحدة وإن اختلفت البيئات والوسائط والمدارك والثقافات. 

وإذا هذب الإنسان استطاع أن يرتقي من رتبته إلى أعلي منها بدرجة ما يصل إليه من تهذيب. 

وليس هناك جنس من بني آدم لا يمكن إصلاحه في حدود ظروفه وبيئته الخاصة به. 

هذا من جهة، ومن جهة أخري فإن هذا الشرق الذي وضع في صف المخربين والمدمرين هو مبعث المدنيات ومشرق الحضارات ومهبط الرسالات، وهومفيض ذلك كله علي الغرب، لا ينكر هذا إلا جاحد مكابر. 

ومثل هذه المزاعم الباطلة إنما هي نزوات من غرور الإنسان وطيش الوجدان لا يمكن أن تستقر علي أساسها  نهضات أو تقوم على قاعدتها مدنيات، وما دام في الناس من يشعر بمثل هذا الشعور لأخيه الإنسان فلا أمن ولا سلام ولا اطمئنان حتى يعود الناس إلى علم الأخوة فيرفعونه خفاقاً، ويستظلون بظله الوارف الأمين، ولن يجدوا طريقاً معبدة إلى ذلك كطريق الإسلام الذي يقول كتابه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات:13). 

ويقول نبيه صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من دعا إلى عصيبة، وليس منا من مات علي عصيبة) رواه أحمد من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه.

ولهذا كانت دعوة الإخوان المسلمين ربانية إنسانية. 

ج- وإذا صلحت الأسرة فقد صلحت الأمة مجموعة هذه الأسر وإنما الأسرة أمة مصغرة والأمة أسرة مكبرة، وقد وضع  الإسلام للأمة قواعد الحياة الاجتماعية السعيدة، فعقد بين بنيها آصرة الأخوة وجعلها قرينة الإيمان، ورفع مستوى هذه الصلة إلى المحبة بل إلى الإيثار، وقضى على كل ما من شأنه أن يمزق هذه الروابط أو يضعف هذه الوشائج، 

وحدد الحقوق والواجبات والصلات، فللأبوة حقها وعليها واجبها، وللنبوة مثال ذلك، ولذوى القربى حقوقهم وعليهم واجباتهم، وفصل مهمة الحاكم والمحكوم أدق تفصيل، وبين المعاملات بين الناس أحكامها بأفصح بيان، ولم يجعل لأحد علي أحد فضلاً إلا بالتقوى فلا سيد ولا مسود ولا أمراء ولا عبيد، ولكن الناس في ذات الله سواسية كأسنان المشط، إنما يتفاوتون بعمل الصالحات، وكذلك حدد صلات الأمم بعضها ببعض، وبين حقوق كل صنف فيها وواجباته، ولم يدع من ذلك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

عالمية الإسلام والأخوة الإنسانية

دعوتنا في طور جديد

لقد جاء الإسلام الحنيف يقرر للدنيا أعدل المبادئ وأقوم الشرائع الربانية، ويسمو بالنفس الإنسانية ويقدس الأخوة العالمية، ويضع عقيدة الخلود والجزاء دافعا إلى الأعمال الصالحة ومانعا من الفساد في الأرض، ويرسم الطريق العملي لذلك كله في حياة الناس اليومية ثم في أوضاعهم المدنية، ويحيى على ذلك القلوب، ويجمع عليه الأمة، ويقيم على أساسه الدولة، ويوجب الدعوة إليه في الناس كلهم حتى لا تكون فتة ويكون الدين كله لله.

في اجتماع رؤساء المناطق ومراكز الجهاد

معلوم أن الإسلام رسالة عالمية جاءت لخير الأمم والشعوب جميعاً، لا فرق بين عربي أوعجمي أو شرقي أو غربي: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) (الفرقان:1). 

ولهذا دعا إلى القضاء على الفوارق الجنسية والعنصرية، وأعلن الأخوة الإنسانية، ورفع لواء العالمية بين الناس لأول مرة في تاريخ البشرية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:1).

ومعلوم أن الإسلام كذلك قد قرر من باب الأول أقوى معاني الأخوة بين المؤمنين به والمنتسبين إليه والمعتقدين لرسالته، حتى جعل الأخوة معنى من معاني الإيمان، بل هي أكمل معانيه:  (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات:10) ، 

(المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه)، (ومثل المؤمنين فى توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا إشتكى منه عضوا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، (والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضهم بعضا).

ويوم واجه المسلمون العالم كله صفاً واحداً وقلباً واحداً في ظل هذه الأخوة الصادقة الحقة، لم تلبث أمامهم ممالك الروابط الإدارية أوالسياسية المجردة ساعة من نهار، وانهزم أمامهم – بغير نظام – الروم والفرس على السواء. 

وكونوا إمبراطورية ضخمة تمتد من المحيط إلى المحيط، ذات علم وحضارة، وقوة وإشراق.

ويوم غفلوا عن سر قوتهم، ولم يأخذوا بهدى كتابهم: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (لأنفال:46)، ودب إليهم داء الأمم من قبلهم من تغليب المصالح المادية الزائلة على الاخوة الإيمانية الباقية … تمزقت هذه الإمبراطورية على أيدي ابن سبأ، ولعبت بها المطامع الخارجية والداخلية، وانتهى أمرها مؤخراً بعد الحرب العالمية الأولى إلى الانهيار، والوقوع في أسر خصومها من غير المسلمين، الذين احتلوا أرضها، وملكوا أمرها، وتقاسموها فيما بينهم، وظنوا أنه قد انتهى أمر الإسلام وختمت الحروب الصليبية أفضل ختام.

وحدتنا في ضوء التوجيه الإسلامي

وحدة الأمة:

والأمة الإسلامية واحدة، لأن الأخوة التي جمع الإسلام عليها القلوب أصل من أصول الإيمان لا يتم إلا بها ولا يتحقق إلا بوجودها. ولا يمنع ذلك حرية الرأي وبذل النصح من الصغير إلى الكبير، ومن الكبير إلى الصغير، وذلك هو المعبر عنه في عرف الإسلام ببذل نصيحة، والأمر المعروف النهى عن المنكر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة)، 

قالوا: لمن يا رسول الله ؟

قال: (لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم) 

وقال: (إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منها)، وفي رواية: (وبطن الأرض خير لهم من ظهرها)، 

وقال: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).

ولقد فكرت تركيا بعد الحرب الماضية في الانسلاخ من الشرق والأمم الإسلامية والارتماء في أحضان الغرب والتزلف إلي الدول الأوروبية ظناً منها أن ذلك يساعدها علي أن تطمئن في دارها وتأمن في أرضها، وأكذب الظن أنها بعد هذه الحرب قد أدركت مبلغ ما فاتها من الفوائد بهذه العزلة عن العرب وأمم الإسلام ولا نريد أن نحاسبها الآن علي ما فات فنحن وإياها أحوج ما نكون إلي التعاون والتساند في هذا المعترك الطافح بالرغبات والأطماع ولن ندعها منفردة في محنتها ولعلها تدرك ذلك فتعود إلي ما نسيت من إسلامها وتتمسك من جديد بهذه الاخوة الخالدة التي تزول الدنيا ولا تزول، وتفني الأيام وهي أبقي علي الزمان الباقي من الزمن.

في اجتماع رؤساء المناطق ومراكز الجهاد

أخوة تعلن الإنسانية

ولقد أثمرت هذه العقيدة ثمرتين لابد لنا من أن نجنيهما ونتحدث إليك عما فيهما من حلاوة لذة وخير وفائدة.

فأما الأولى منها: فقد أنتجت هذه العقيدة أن الاستعمار الإسلامي لم يشبهه أي استعمار في التاريخ أبدا، لا في غايته ولا في مسالكه وإدارته ولا في نتائجه وفائدته، فإن المستعمر المسلم إنما كان يفتح الأرض حين يفتحها ليعلي فيها كلمة الحق، وينير أفقها بسنة القرآن الكريم، فإذا أشرقت على نفوس أهلها شمس الهداية المحمدية فقد زالت الفوارق ومحيت المظالم، وشملها العدل والإنصاف والحب والإخاء، ولم يكن هناك فاتح غالب وخصم مغلوب، ولكن إخوان متحابون متآلفون، ومن هنا تذوب فكرة القومية، وتنجاب كما ينجاب الثلج سقطت عليه أشعه الشمس قوية مشرقة أمام فكرة الأخوة الإسلامية التي يبثها القرآن في نفوس من يتبعونه جميعا.

إن ذلك الفاتح المسلم قبل أن يغزوا من غزا ويغلب من غلب، قد باع أهله، وتجرد من عصبيته وقوميته في سبيل الله، فهو لا يغزو لعصبية ولا يغلب لقومية ولا ينتصر لجنسية، ولكنه حين يعمل لله ولله وحده لا شريك له، وإن أروع ما أثر من الإخلاص في الغاية، وتجريد النفس من الهوى ما جاء في الحديث الشريف ما معناه أن رجلا جاء إلى النبي فقال له يا رسول الله، إني أحب أن أجاهد في سبيل الله، وأحب أن يرى موقفي فسكت النبي ولم يجبه، فنزلت الآية الكريمة:   

 (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف:110). 

إلى أي شيء ندعو الناس

والقرآن هو الجامع لأصول هذا الإصلاح الاجتماعي الشامل، وقد أخذ يتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويعلن به المؤمنين بين الآن والآن بحسب الوقائع والظروف والمناسبات 

 (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا، وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) (الفرقان:32-33). 

حتى اكتمل به الوحي وحفظ في الصدور والسطور في مدى اثنتين وعشرين سنة ونيفا، وقد جمع الله فيه لهذه الأمة تبيان كل شيء، وأصول الإصلاح الاجتماعي الكامل الذي جاء به تكاد تنحصر في هذه الأصول: 

  • الربانية.
  • التسامي بالنفس الإنسانية.
  • تقرير عقيدة الجزاء.
  • إعلان الأخوة بين الناس.
  • النهوض بالرجل والمرأة جميعا، وإعلان التكافل والمساواة بينهما، وتحديد مهمة كل منهم تحديدا دقيقا.
  • تأمين المجتمع بتقرير حق الحياة والملك والعمل والصحة والحرية والعلم والأمن لكل فرد وتحديد موارد الكسب.
  • ضبط الغريزتين: غريزة حفظ النفس، وحفظ النوع، وتنظيم مطالب الفم والفرج
  • الشدة في محاربة الجرائم الأصلية.
  • تأكيد وحدة الأمة والقضاء على كل مظاهر الفرقة وأسبابها.
  • إلزام الأمة الجهاد في سبيل مبادئ الحق التي جاء بها النظام.
  • اعتبار الدولة ممثلة للفكرة وقائمة على حمايتها، ومسؤولة عن تحقيق أهدافها في المجتمع الخاص، وإبلاغها للناس جميعا.

 بين الأمس واليوم 

لا مبرر للانزعاج:

والغربيون كما قلت ـ ومعهم الذين لا يعلمون ـ ينزعجون أشد الانزعاج لهذا الاتجاه ويرونه من الخطورة بحيث تجب عليهم محاربته بكل سبيل، لأنه ليس أكثر في عرفهم من انتصار للمبادئ الرجعية، وتجميع للأمم الهمجية حولها ضد مبادئ الحضارة والمدنية وشعوب العلم والعرفان والنظام. وهذا وهم عريق في الخطأ، وظلم صارخ للحقائق الواضحة وضوح الشمس في وضح النهار، ومهمتنا في هذه الكلمات أن نصل معهم إلى أمرين:

أولهما: إثبات سموأصول النظام الاجتماعي الإسلامي وفضلها على كل ما عرف الناس تلك الأصول التي منها:

  1. الإخاء الإنساني ـ والقضاء على روح الكراهية والتعصب.
  2. السلام ـ وخطأ الذين لا يعلمون في فهم مشروعية الجهاد.
  3. الحرية ـ وخطأ الذين يتهمون الإسلام بإباحة الرق ومصادرة الحريات.
  4. العدل الاجتماعي ـ وفيه بيان رأي الإسلام في نظام الحكم والطبقات.
  5. الحياة الطيبة ـ وفيه بيان الخطأ في فهم حقيقة الزهد.
  6. الأسرة ـ وفيه الكلام على حقوق المرأة والتعدد والطلاق.
  7. العمل والكسب ـ وفيه الكلام على أنواع الكسب والخطأ في فهم التوكل.
  8. العلم ـ وفيه خطأ من يتهمون النظام الإسلامي بتشجيع الجهالة والخمول.
  9. النظام وتقدير الواجب ـ وفيه خطأ من يظنون في طبيعة الإسلام النقص والإهمال.
  10. التديّن ـ وفيه حقيقة الإيمان بالله والفضيلة والجزاء.

وثانيهما: إثبات أن من الخير للإنسانية كلها أن يتجه المسلمون إلى العودة لدينهم وأن ذلك سيكون أكبر دعائم السلام على الأرض، وأن الدافع في ذلك ليس التعصب الأعمى ولكن الاقتناع التام بفضل ما جاء به الإسلام وانطباقه تمام الانطباق على أرقى ما كشف عنه التفكير العقلي السليم من قواعد الاجتماع الصالحة، ودعائم نظمه القوية الثابتة... (وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُويَهْدِي السَّبِيلَ) 

وحدة الأمة سر القوة

إعلان الأخوة الإنسانية والتبشير بالفكرة العالمية

جاء الإسلام الحنيف يعلن الأخوة الإنسانية ويبشر بالدعوة إلى العالمية، ويبطل كل عصبية، ويسلك إلى تحقيق هذه الدعوة الكريمة السامية كل السبل النظرية والعملية.

تقرير وحدة الجنس والنسب:

فقد قرر وحدة الجنس والنسب للبشر جميعا، (فالناس لآدم ولا فضل لعربي على عجمي ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى)، وحكمة التقسيم إلى شعوب وقبائل إنما هي التعارف لا التخالف والتعاون لا التخاذل، والتفاضل بالتقوى والأعمال الصالحة التي تعود بالخير على المجموع والأفراد، والله رب الجميع يرقب هذه الأخوة ويرعاها، ويطالب عباده جميعا بتقريرها ورعايتها، والشعور بحقوقها والسير في حدودها.

ويعلن القرآن الكريم هذه المعاني جميعا في بيان ووضوح فيقول:  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) فاتحة سورة النساء. 

ويقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم في أشهر خطبه في حجة الوداع: (إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعظمها بالآباء والأجداد، الناس لآدم، وآدم من تراب لا فضل لعربي على عجمي ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى) 

ويقول: (ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية) رواه أبوداود.

وبهذا التقرير قضى الإسلام تماما على التعصب للأجناس أوالألوان في الوقت الذي لا تزال فيه الأمم المتحضرة من أوروبا وأمريكا تقيم كل وزن لذلك، وتخصص أماكن يغشاها البيض ويحرم منها السود حتى في معابد الله، وتضع القوائم الطويلة للتفريق بين الأجناس الآرية والسامية، وتدّعي كل أمة أن جنسها فوق الجميع.

تقرير وحدة الدين:

وقرر الإسلام وحدة الدين في أصوله العامة، وأن شريعة الله تبارك وتعالى للناس تقوم على قواعد ثابتة من الإيمان والعمل الصالح والإخاء، وأن الأنبياء جميعا مبلغون عن الله تبارك وتعالى، وأن الكتب السماوية جميعا من وحيه، وأن المؤمنين جميعا في أية أمة كانوا هم عباده الصادقون الفائزون في الدنيا والآخرة، وأن الفرقة في الدين والخصومة باسمه إثم يتنافى مع أصوله وقواعده، وأن واجب البشرية جميعا أن تتدين وأن تتوحد بالدين، وأن ذلك هوالدين القيم وفطرة الله التي فطر الناس عليها، وفى ذلك يقول القرآن الكريم:  (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا) (الشورى:13)، ويقول القرآن الكريم مخاطبا النبي محمد صلى الله عليه وسلم: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (الشورى:15)،

ويقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم مصورا هذا المعنى أبدع تصوير: (مثلى ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطرفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين) أخرجه الشيخان.

اتجاه النهضة الجديدة في العالم الإسلامي

الحقوق والواجبات ومظاهر العبادات:

والمساواة العامة هي شعار الإسلام في الحقوق والواجبات ومظاهر العبادات، فالجنس الإنساني مكرم كله مفضل على كثير من المخلوقات،  (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء:70). 

والناس جميعا مخاطبون بهذه الدعوة الإسلامية وكثيرا ما يستفتح الخطاب في القرآن الكريم بيا أيها الناس إشارة إلى عموم هذه الرسالة وتسويتها بين الناس في الحقوق والواجبات، والحقوق الروحية فضلا عن الحقوق المدنية والسياسية الفردية والاجتماعية والاقتصادية مقررة للجميع على السواء، فما من شعب إلا بعث إليه رسول (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر:24)، 

ومظاهر العبادات وطرق أدائها مشتركة بين الجميع يؤدونها على قدم المساواة، فهم في الصلاة كالبنيان المرصوص، وهم في الحج قلب واحد يفدون من كل فج عميق، وهم في الجهاد صف لا يتخلف عنه إلا أعرج أو مريض أو أعمى أو معذور، وهم في كل معنى من هذه المعاني كأسنان المشط لا سيد ولا مسود (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات:10)،

وقل مثل ذلك في جميع الحقوق والواجبات والفرائض والعبادات التي جاء بها هذا الإسلام.

تقرير معاني الرحمة والحب والإيثار والإحسان:

ولقد دعم الإسلام هذه المعاني النظرية والمراسيم العملية ببث أفضل المشاعر الإنسانية في النفوس من حب الخير للناس جميعا والترغيب في الإيثار ولو مع الحاجة  (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوكَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر:9)، والإحسان في كل شيء حتى في القتل (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة:195) ، (إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) (الكهف:30)،  (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ) (النحل:90).

وتقرير عواطف الرحمة حتى مع الحيوان فأبواب الجنة تفتح لرجل سقى كلبا، وتبتلع الجحيم امرأة لأنها حبست هرة بغير طعام كما جاء ذلك وغيره من كثير من مثله في أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم حتى استغرب أصحابه وقالوا: وإن لنا في البهائم لأجرا يا رسول الله؟ 

قال: (نعم في كل ذات كبد رطبة أجر) رواه البخاري، 

ولا شك أن هذه المشاعر هي التي تفيض على صاحبها أفضل معاني الإنسانية وتوجهه إلى تقدير قيمه الأخوة العالمية.

اتجاه النهضة الجديدة في العالم الإسلامي

عالم اليوم:

ولقد بشر زعماء العالم إبان محنتهم في الحرب الماضية بهذه الإنسانية العالمية وهتفوا بالعالم الواحد السعيد الذي تسوده الطمأنينة والعدالة والحرية والوئام. 

فهل وصلوا إلى شيء من ذلك؟.. 

أو حاولوا أن يصلوا إليه فيما قرروا من مؤتمرات وعقدوا من اجتماعات؟ 

وهل استطاعت هيئة الأم المتحدة أن تسوي في الحقوق بين أبناء الوطن الواحد في أفريقيا الجنوبية، أو أن تحمل الأمريكان على ترك التفاضل بالألوان؟ 

لا شيء من هذا، ولن يكون إلا إذا تطهرت النفوس بماء الوحي العذب الطهور، وسقيت من معين الإيمان، وأخلصت للإسلام دين الأخوة والوحدة والإنسانية والسلام.

.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم