حين ينام العالم، وتفتح أبواب السماء
في ساعةٍ يتوارى فيها الضجيج، وتسكن المدن، وتغفو العيون المثقلة بأعباء النهار.
يبقى بابٌ واحدٌ مفتوحًا، بابُ السماء.
هناك في عمق الليل، حين ينكسر الصمت، وتتعرّى الأرواح من أقنعتها.
وتذوب القلوب بين يدي ربها، يولد إنسانٌ جديد.
قيام الليل ليس صلاةً فحسب، إنه لحظة صدقٍ لا يحتملها المنافق.
ولقاءُ حبٍّ لا يعرفه إلا المشتاقون.
أولاً: قيام الليل في القرآن عبادة الصفوة
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة المزمل: 1-2].
قال ابن كثير في تفسير القرآن العظيم:
إن الله ابتدأ أمر نبيه -ﷺ- بقيام الليل؛ لأنه زاد الدعاة، ومفتاح الثبات، ومَعين الصبر.
وذكر ابن عاشور في التحرير والتنوير: "إن في قيام الليل تهيئةً روحية لتحمل أعباء الرسالة، لأنه وقت صفاء القلب، وخلوص النية".
وقال تعالى في وصف أهل الإيمان: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 17-18].
قال الزمخشري:
أي كانوا يحيون أكثر الليل بالصلاة، فإذا جاء السحر ختموه بالاستغفار؛ جمعوا بين العمل ،والاعتراف بالتقصير.
ثانياً: قيام الليل في السنة… طريق العارفين:
قال رسول الله ﷺ: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" [رواه مسلم].
وقال ﷺ: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟" [متفق عليه].
يا لها من لحظة!
ملك الملوك يناديك.
وأنت نائم؟!
ثالثًا: قيام الليل… مدرسة القادة والصالحين:
كان رسول الله -ﷺ- يقوم حتى تتفطر قدماه.
وكان عمر بن الخطاب يوقظ أهله للصلاة ويقول: "الصلاة… الصلاة".
وقال الحسن البصري: "لم أجد شيئًا أشدّ على النفس من قيام الليل."
وكان الإمام الشافعي يختم القرآن في رمضان ستين ختمة، أكثرها في قيام الليل.
قيام الليل هو الذي يصنع الرجال، ويصنع الثبات، ويصنع الأمة.
رابعًا: لماذا تبكي الأرواح في الليل؟
لأن الليل يكشف الحقيقة.
لا جمهور.
لا تصفيق.
لا رياء.
فقط عبدٌ ضعيف، وربٌّ رحيم.
قال الشاعر:
خلوتُ بربّي والدموع شهودُ فصار رجائي في السماء يصعدُ
إذا الليل أرخى سدوله بخشعةٍ رأيتُ فؤادي للسماء يمدُّ
خامسًا: آثار قيام الليل على النفس والحياة:
ثبات القلب
نور في الوجه
قوة في القرار
طمأنينة لا يشتريها مال
قال بعض السلف: "أهل الليل في ليلهم ألذُّ من أهل اللهو في لهوهم."
سادسًا: كيف نبدأ قيام الليل عمليًّا؟
ابدأ بركعتين فقط.
اقرأ ما تحفظ.
أطِل السجود وادعُ بما تشاء.
اجعل لك موعدًا ثابتًا مع الله.
نم مبكرًا لتستيقظ نشيطًا.
لا تبحث عن الكثرة، ابحث عن الصدق.
واجب عملي
صلِّ ركعتين قبل النوم إن عجزت عن الاستيقاظ.
استيقظ قبل الفجر بعشر دقائق على الأقل.
ادعُ الله بثلاث دعوات:
صلاح قلبك
نصر أمتك
مغفرة والديك
واكتب شعورك بعد الصلاة.
الخاتمة: ليلةٌ قد لا تتكرر
تخيّل… أنها آخر ليلة في حياتك.
وأن الله ينادي:
هل من مستغفر؟
هل ستنام؟
أم ستقوم؟
ربما لن يكتب لك قيام ليلةٍ أخرى…
وربما تكون دمعتك هذه الليلة سبب نجاتك يوم القيامة.
قم… ولو مثقلًا.
قم… ولو مكسورًا.
قم… فربك ينتظرك.
اللهم أعنا علي قيام الليل، اللهم فرجًا لأهلنا في غزة والسودان يارب العالمين .
المراجع العربية:
١)ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، 1999م.
٢)ابن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، 1984م.
٣)الزمخشري، الكشاف، دار الكتاب العربي، 1987م.
٤)النووي، شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، 1392هـ.
٥)ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف، دار ابن كثير، 2007م.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية