في كل بيتٍ لحظةٌ يتحول فيها السؤال المالي من سؤالٍ عن الأرقام إلى سؤالٍ عن النوايا: "لماذا اشتريتَ هذا؟" "ولماذا لم تعطِني ما يكفي؟" وعندها لا تنفع الحجج، لأن كل طرف يحتكم إلى ميزانه الخاص: هذا إلى مفهومه عن الادخار، وتلك إلى مفهومها عن الكفاية. والبيت بحاجة إلى ميزانٍ مشتركٍ أعلى من الطرفين.
وقد وضع النبي -ﷺ- هذا الميزان حين شكت إليه هند بنت عتبة رضي الله عنها أن زوجها لا يعطيها ما يكفيها وولدها، فقال: "خذي ما يكفيكِ وولدَكِ بالمعروف" (متفق عليه). لم يقل لها اصبري، ولم يطلق لها الأخذ بلا قيد. جعل الحكم كلمةً واحدة: المعروف.
ما معنى "المعروف" في المال؟
يتألف المعروف من أركان ثلاثة، تعرضها آيات القرآن وهدي الإسلام للبيوت:
1) لا تبذير. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. فالمعروف ما لم يخرج بالبيت إلى إسراف الترف، مهما كان في الجيب.
2) ولا تقتير. ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29]. فالتضييق على الأهل بالحدّ الأدنى وبين يديك سعة ليس من المعروف، كما أن الإسراف ليس منه. ويعدّ الصالحون التوسط في النفقة بلا تقتير ولا تبذير من أوصاف البيت المسلم.
3) والحقّ واجبٌ على من عليه، لا منّةٌ منه. من قواعد الشريعة في الحقوق أن كل حقٍّ يقابله واجب؛ فحين قررت الشريعة حقوقًا فرضت مقابلها واجبات تكفل الوفاء بها، ومن أركان الحق "من عليه الحق". ونفقة الزوجة على زوجها من أول أمثلة هذه الحقوق بين فردٍ وفرد. فالزوج حين ينفق لا يتفضّل، بل يؤدي واجبًا، وحين يؤديه "بالمعروف" فإنه يؤديه بلا منّةٍ ولا إذلال.
المعروف مسؤوليةٌ قبل أن يكون حسابًا
ولأن البيت كله رعيّة، قال النبي ﷺ: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيّته... والرجل راعٍ في بيته ومسؤولٌ عن رعيّته". والمال أحد وجوه هذه الرعاية، فمن ملك الإنفاق فهو مسؤول عن حسن تدبيره، ومن ائتُمنت على إدارة البيت فهي مسؤولة عن حفظه.
ويحكم العلاقة بين الزوجين قبل ذلك كله التوجيه الرباني: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. والمال في البيت الذي يحكمه السكن والمودة والرحمة أداةُ خدمةٍ للأسرة، لا ساحة مغالبة. وقال ﷺ: "خيركم خيركم لأهله".
أربعة أسئلة قبل الإنفاق أو الطلب
حوّل هذا الميزان إلى عادةٍ بين الزوجين بأن يسأل كلٌّ منكما نفسه:
- هل هو كفايةٌ حقيقية؟ (فلا أطلب ما يزيد على حاجة البيت ولا أمنع ما يلزمه).
- هل فيه إسراف؟ (شراء الأغلى بلا حاجة، أو إنفاق يُراد به المباهاة).
- هل فيه تقتير؟ (حرمانٌ للأهل أو للنفس بلا مسوّغ).
- هل سيؤذي طرفًا من أطراف البيت؟ (وإن كان في حدود الحق، فالحق لا يُستعمل للإضرار).
وهذه الأسئلة الأربعة تتسع لكل ميزانية، غنيةً كانت أو ضيقة، لأن "المعروف" يتغير بتغيّر حال البيت يسرًا وعسرًا، وإن بقي ميزانه ثابتًا.
وماذا عن الأبناء؟
الأبناء يشاهدون هذا الميزان يومًا بعد يوم. فإن رأوا أباهم يسأل: "هل هو بالمعروف؟" وأمهم تسأل السؤال نفسه، تعلّموا أن المال ليس مقياس الحب ولا أداة ضغط، وإنما أمانةٌ تُدار بالعدل والرحمة.
خاتمة
اختصر النبي -ﷺ- على هندٍ باب الجدل بكلمة واحدة، وفتح لبيتها ميزانًا يصلح لكل البيوت. فإن اختلفتما يومًا في المال، فاجعلا هذه الكلمة حكَمًا بينكما: لا إفراط ولا تفريط، وحقٌّ يؤدّى بلا منّة، ورعايةٌ تُرجى بها مودة.
اقرأ أيضًا: أتتوكل أم تتبطل؟ الفرق بينهما خطوة إلى السعي
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.