الأسرة

البيت المسلم

نعمةٌ بلا شكرٍ.. أول الطريق إلى الزوال

نعمةٌ بلا شكرٍ.. أول الطريق إلى الزوال

قد يظنّ كثير من الآباء أن أعظم ما يقدّمونه لأبنائهم هو الرخاء المادي: بيتٌ واسع، وملابس فاخرة، وكلّ ما تشتهيه النفس. وهذا خيرٌ إن قُيّد بالشكر والتواضع، لكنه قد ينقلب إلى داءٍ يفسد البيت من الداخل حين يتحوّل إلى غرور: أن يشعر الأبناء أن ما عندهم من نعمةٍ حقٌّ ذاتيٌّ لهم، لا عطاءً من الله يُشكر ويُخاف زواله. وهذا الداء ــ داء "أنا ومالي" ــ لا يهدم فردًا فحسب، بل يفكّك البيوت والمجتمعات على مهل.

وقد ضرب القرآن الكريم لهذا الداء مثلًا خالدًا في قصة صاحب الجنتين: رجلٌ آتاه الله جنتين من أعنابٍ ونخيلٍ وزرع، وفجّر بينهما نهرًا، فأثمرتا كل شيء. فماذا صنعت به النعمة؟ بدل أن تزيده شكرًا زادته غرورًا؛ ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 35]. فظنّ نعمته خالدةً، ونسبها إلى نفسه، ثم تعالى على صاحبه الفقير: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾[الكهف: 34]. فكانت النتيجة أن أُحيط بثمره، فأصبح يقلّب كفّيه على ما أنفق فيها وهي خاويةٌ على عروشها، يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾[الكهف: 42].

 

الدرس: النعمة اختبارٌ لا امتياز

القصة ليست مشهدًا تاريخيًّا عابرًا، بل سنّةٌ تتكرّر: فالغرور بالنعمة أول الطريق إلى زوالها. والدرس الذي يجب أن يصل إلى قلوب أبنائنا أن كل ما في البيت من نعمةٍ إنما هو عطاءٌ من الله، اختبارٌ في الشكر، لا امتيازٌ ذاتيٌّ يُتعالى به. وقد علّمنا القرآن الكلمة التي تحصّن القلب عند رؤية النعمة، وهي التي عاتب صاحبَ الجنتين على تركها: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: 39]. فهذه الكلمة ليست لفظًا يُقال فحسب، بل ميزانٌ يربط النعمة بمُنعمها، ويحمي القلب من وهم أنها من كسبه وحده.

 

كيف نحصّن أبناءنا من هذا الداء؟

اربط النعمة بالمُنعِم دائمًا. كلّما تمتّع ابنك بشيء، ذكّره أنه من فضل الله؛ "الحمد لله الذي رزقنا"، "ما شاء الله لا قوة إلا بالله". فالطفل الذي نشأ يرى النعمة عطاءً يُشكر، غير الذي نشأ يراها حقًّا مكتسبًا.

علّمه قيمة النعمة بألا تُغرقه فيها. فالطفل الذي يُعطى كل شيء بلا جهدٍ ولا انتظار، يفقد الإحساس بقيمته؛ فامنحه ما يكفيه، ودعه يعمل لبعض ما يريد، وعوّده ألا يستهين بالقليل ولا يزدري ما دونه.

حصّنه من التعالي على الناس. أخطر ثمار الغرور أن ينظر الطفل إلى من هم دونه في المال بازدراء. فاصحبه إلى المحتاجين، وعلّمه البذل، وذكّره أن قيمة الإنسان بتقواه لا بماله؛ فبهذا تنكسر في نفسه نبتة الكبر قبل أن تتجذّر.

كن أنت القدوة في الشكر والتواضع. فالبيت الذي يتحدّث أهله عن أموالهم ومقتنياتهم بتفاخر، يربّي التفاخر؛ والبيت الذي يذكر أهله نعم الله بامتنانٍ ويعيشون بتواضعٍ مهما اتّسع رزقهم، يربّي الشكر.

 

خاتمة

ليست النعمة خطرًا في ذاتها، بل الخطر في القلب الذي يستقبلها بالغرور بدل الشكر. فربِّ أبناءك على أن كل ما في بيتهم أمانةٌ من الله واختبار، وعلّمهم كلمة القلب الشاكر "ما شاء الله لا قوة إلا بالله"؛ فبهذا تحمي بيتك من داءٍ أهلك جنّتين عامرتين، وتزرع في أبنائك شكرًا يحفظ النعمة ويبارك فيها.

 

 

اقرأ أيضًا: اجعلوا بيوتكم قبلة

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم