المربي

التسامح في الديون: كرم أم خطأ اقتصادي؟

التسامح في الديون: كرم أم خطأ اقتصادي؟

في كل بيت تقريبًا حكاية دَين صغيرة، مبلغ أُعطي لقريب على عجل أو سلعة بِيعت لجار على وعد بالسداد أو قرض لصديق جاء في ساعة ضيق. وتبدأ هذه الحكايات غالبًا بنية طيبة وكلمة دافئة، ثم يمضي الوقت فيتحول المبلغ إلى سؤال معلّق، هل نطالب ونخشى على المودة أم نسكت ونحتسب ونخشى على أنفسنا وأهلنا؟ وبين هذين الخيارين يعيش كثير من الناس حيرة صامتة يحسبون فيها أن الصبر الطويل على المدين علامة كرم، وأن المطالبة بالحق نوع من الجفاء.

والشريعة حين تناولت الدَّين جمعت بين أمرين يبدوان متباعدين، فرغّبت في الإنظار والإبراء رغبة عظيمة، وأمرت في الوقت ذاته بالكتابة والإشهاد وحفظ الحقوق في أطول آية في كتاب الله. وهذا الجمع يفتح أمامنا بابًا للتأمل، متى يكون التسامح في الدَّين فضيلة تُرفع بها الدرجات، ومتى يصبح خللًا يُضعف المال ويُفسد العلاقات ويُغري المماطلين؟ وهذا ما يحاول المقال الإجابة عنه.

 

منزلة الإنظار والإبراء في الميزان الشرعي

حين يتحدث القرآن عن المدين العاجز يرسم طريقًا من درجتين، فيقول تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الدرجة الأولى إمهال المعسر حتى تتحسن حاله وهي واجبة على الدائن، والدرجة الثانية أن يتنازل عن دَينه كله أو بعضه، وهي فضل يُندب إليه. وجاءت الآية بعد آيات تحريم الربا مباشرة كأنها تقدّم البديل الأخلاقي لمن كان يزيد على المدين كلما عجز عن السداد.

وتتابعت الأحاديث في تعظيم هذا الخلق، منها ما ورد عن النبي ﷺ عن رجل كان يداين الناس، فكان يقول لغلامه: “إذا أتيت معسرًا فتجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه” . 

غير أن المتأمل في هذه النصوص يلحظ أنها تدور كلها حول وصف واحد هو العُسرة؛ فالفضل العظيم مرتبط بمدين ضاقت به الحال حقًّا. وفي الحديث الآخر يدعو النبي ﷺ: “رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى” والاقتضاء هو طلب الدَّين، فالسماحة تشمل طريقة المطالبة ولطفها والمطالبة نفسها حق مشروع. والتسامح في الشريعة خلق له موضع يُحمد فيه، ومن يضعه في غير موضعه قد يخرج به من دائرة الفضيلة إلى دائرة التفريط.

 

أثر التسامح على السيولة واستقرار الأسرة والمشروع

يُنظر إلى الدَّين عادة من جهة المدين وحده، فنتحدث عن ضيقه وحاجته إلى المهلة، ويغيب عن الصورة الطرف الذي أخرج المال من يده، فردًا كان أو تاجرًا أو منشأة. فالدائن صاحب التزامات ونفقات، وإذا تأخر رجوع ماله اضطربت حساباته، فيتحول الإحسان إلى سلسلة من الضيق تنتقل من بيت إلى بيت، ومن متجر إلى متجر.

وأول من يدفع الثمن أسرة الدائن؛ فالموظف الذي أقرض صديقًا من مدخرات أعدّها لزواج ابنه أو علاج والدته أو قسط مدرسة، يجد نفسه حين يطول الانتظار أمام خيارات مُرّة: يؤجّل حاجة بيته، أو يقترض ليغطي ما أقرضه، أو يحمّل أهله ضيقًا لا ذنب لهم فيه، وكثيرًا ما يتسلل التوتر إلى العلاقة بين الزوجين بسبب مال خرج ولم يعد

ويتكرر الأثر في السوق؛ فالتاجر الذي يبيع لعملائه بالأجل مجاملةً تتراكم المستحقات في دفاتره وتفرغ خزينته، فيعجز عن شراء البضاعة أو دفع الأجور أو الوفاء لمورديه، وكم من تجارة رابحة في دفاترها تعثرت لأن مالها موزّع في ذمم الناس.

ويبلغ الأثر مداه بين التجار أنفسهم فالأسواق حلقات متصلة من البيع الآجل تبدأ بالمصنع وتنتهي بالمستهلك، فإذا تأخرت حلقة انتقل التأخير إلى ما قبلها، واتسعت دائرة التعثر حتى تصيب بيوتًا لا صلة لها بالمدين الأول. فالسيولة في البيت والمشروع كالدم في الجسد، وانتظام دورتها حق لصاحبها ولكل من يعتمد عليه.

 

معيار التفريق بين من يستحق المهلة ومن يستغلها

يقف الدائن أحيانًا أمام مدينين يقولان العبارة نفسها: "اصبر عليّ قليلًا"، وأحدهما صادق ضاقت به الحال، والآخر وجد في صبر صاحبه بابًا مريحًا للتأجيل. والتسوية بينهما تظلم الأول حين يُعامَل بالشك وتكافئ الثاني حين يُعامَل بالإحسان. ولهذا عُني الفقهاء بتحديد معنى الإعسار فجعلوه عجز المدين عن الوفاء بعد كفاية حاجاته الأساسية من طعام وسكن ونفقة من يعول، وقرروا أن من كان دَينه عوضًا عن مال أخذه كالقرض أو ثمن سلعة اشتراها فالأصل أنه قادر حتى يثبت عجزه؛ لأن المال دخل يده بيقين.

وقد ربط النبي ﷺ مصير الدَّين بنية صاحبه فقال: “من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله” والنية خفية غير أن لها علامات تظهر في السلوك؛ فالمعسر الصادق يبادر بالحديث عن حاله قبل أن يُسأل، ويحرص على التواصل مع دائنه ويسدد ما يقدر عليه ولو كان قليلًا، ويشعر بثقل الدَّين على كتفيه. أما المماطل فيتهرب من اللقاء ويكثر من الوعود المتجددة، ويُرى عليه من الإنفاق على الكماليات والأسفار ما يكشف أن المال حاضر والإرادة غائبة.

ومن هنا يحتاج الدائن إلى بصيرة تجمع بين الرحمة والفطنة؛ فيُحسن الظن ابتداءً ويفتح باب الحوار الصريح، ويطلب من المدين خطة سداد واضحة تناسب طاقته، ثم يراقب الوفاء بها. فإذا ظهر الصدق كانت المهلة قربة يرجو بها ظل الله يوم القيامة، وإذا ظهر التلاعب كان الحزم في المطالبة حماية لحقه وتأديبًا لمن استخف بالأمانة.

 

حين يتحول التسامح إلى تشجيع على أكل الحقوق

اختار النبي ﷺ لوصف المدين القادر الذي يؤخّر السداد كلمة حاسمة فقال: “مطلُ الغنيّ ظلم”  والمطل هو تسويف الحق مع القدرة على أدائه، وتسميته ظلمًا تنقله من دائرة العادات الاجتماعية المتساهَل فيها إلى دائرة المعاصي التي يُحاسَب عليها صاحبها. وجاء في حديث آخر: “ليُّ الواجد يُحلّ عِرضه وعقوبته” والواجد هو من يجد ما يقضي به دَينه، وقد فسّر العلماء حِلّ عرضه بجواز أن يقول صاحب الحق: ظلمني ومطلني، وحِلّ عقوبته بجواز أن يرفعه إلى القضاء فيحبسه حتى يؤدي.

وهذه النصوص تكشف أن السكوت الطويل على المماطل القادر يحمل في طياته معاونة له على الظلم من حيث لا يشعر الدائن؛ فالمماطل يتعلم من كل مهلة مجانية أن تأخير الحق بلا ثمن فيمضي في عادته مع غيره ويقدّم سداد من يطالبه بقوة على سداد من يستحي منه. وهكذا يصبح الحليم الكريم آخر من يستردّ ماله، ويصير الحياء عقوبة يدفعها صاحبه.

 

الوفاء بالعهد والوعد واجب

يأمر القرآن بالوفاء في المعاملات أمرًا صريحًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ويقول تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ فالمدين حين يأخذ المال ويحدد موعد السداد يعقد عهدًا يُسأل عنه أمام الله، والتاجر حين يشتري بالأجل يلتزم أجلًا يبني عليه البائع حساباته. وجعل النبي ﷺ إخلاف الوعد من علامات النفاق فقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتُمن خان»، ورفع منزلة من يُحسن السداد فقال: «إن خياركم أحسنكم قضاءً» .

والوفاء يبدأ بوضوح الحق وأجله من اللحظة الأولى؛ فالوعد المبهم من نوع "قريبًا" و"حين يتيسر" يفتح باب الخلاف في المقدار والموعد، فتتحول المجاملة التي أريد بها حفظ الود إلى عتاب وقطيعة. ومن عجز عن الوفاء في موعده فواجبه أن يبادر بإخبار صاحبه ويطلب المهلة صراحةً، ويحفظ له حقه بخطة سداد واضحة. وبهذا تقوم المعاملة على قاعدة واحدة: حق واضح، ووفاء في موعده، وكرم يأتي بعد ذلك اختيارًا صادقًا.

 

حين يختلط المال بالمودة

أصعب الديون ما كان بين الأقارب والأصدقاء؛ فالطلب يأتي في لحظة ثقة والإعطاء يتم بلا ورقة ولا موعد، ثم يمضي الوقت فيقف الدائن بين حقه ومحبته، ويشعر المدين بالحرج كلما التقيا، فتفتر الزيارات وتثقل المجالس. وكثير من القطيعة بين الإخوة وأبناء العمومة بدأت بمبلغ صغير بقي معلّقًا بلا وضوح، فصار المال حاجزًا في موضع كان ينبغي أن يكون جسرًا.

والمخرج يبدأ بتحديد طبيعة العطاء من اللحظة الأولى: هل هو قرض يُرد، أم هبة وصلة؟ وقد رغّب النبي ﷺ في العطاء للقريب فقال: “الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة” فمن قدر أن يعطي قريبه عطاءً خالصًا فذلك أعظم أجرًا وأسلم للود، ومن احتاج إلى استرداد ماله فليجعله قرضًا واضح المقدار والأجل، يكتبه كما أمر الله في آية الدين دون حرج؛ فالكتابة بين الأحبة حفظ للمودة من سوء الفهم والنسيان، وصيانة للعلاقة من أن يفسدها مال.

 

أدوات الضبط المشروعة

نزلت أطول آية في القرآن في تنظيم الدَّين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ ثم فصّلت في من يكتب ومن يُملي ومن يشهد، وختمت بحكمة ذلك كله: ﴿ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا﴾. فالكتابة تحدد المبلغ والأجل، والإشهاد يحفظ الحق إذا نسي أحد الطرفين أو أنكر، وكلاهما يزيل الريبة التي تفسد القلوب. وفي حياتنا المعاصرة تتسع صور التوثيق لتشمل العقد المكتوب، والتحويل الموثّق، والرسالة المحفوظة، وكلها تؤدي المقصد القرآني نفسه.

ثم أضافت الآية التالية أداة أخرى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ والرهن عين يحتفظ بها الدائن ضمانًا لحقه، وقد توفي النبي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام أخذه لأهله،الرهن سنة عملية مارسها خير الخلق بلا حرج. وتأتي الكفالة أداة ثالثة، حيث يلتزم شخص موثوق بسداد الدَّين إن عجز المدين، وقد قال ﷺ: “الزعيم غارم” والزعيم هو الكفيل.

وهذه الأدوات تعبّر عن رحمة بالطرفين؛ فهي تطمئن الدائن فيُقرض بنفس طيبة، وتعين المدين على الوفاء حين يرى الحق محددًا أمامه. وتختم الآية بباب الثقة: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، فتجمع بين الضبط القانوني والضمير الحي، وبهما معًا تستقيم المعاملة.

 

الكرم المدروس طريق للبركة والاستدامة

يعود بنا السؤال الذي بدأ به المقال هل التسامح في الديون كرم أم خطأ اقتصادي؟ والجواب يتضح حين نضع كل حالة في موضعها؛ فإمهال المعسر والتخفيف عنه كرم يرفع صاحبه إلى ظل العرش، وترك الحقوق بلا توثيق والسكوت على الغني المماطل والإقراض بما يضر الأسرة والمشروع، صور من التفريط تُضعف المال وتُفسد العلاقات وتُغري بالظلم. والشريعة جمعت الأمرين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ فالعدل يحفظ الحق ويضبطه، والإحسان يتجاوز عنه حين يستحق صاحبه التجاوز.

وهكذا يلتقي القلب  والعقل والدفتر في معاملة واحدة؛ دفتر يكتب الحق بوضوح، وقلب يرحم الضعيف ويصبر عليه، وعقل يميّز بين من ضاقت به الحال ومن ضاق بالأمانة. ومن جمع هذه الثلاثة بقي ماله قادرًا على العطاء وبقيت علاقاته صافية، ويبقي باب القرض الحسن مفتوحًا في مجتمعه لكل محتاج صادق.

 

 

اقرأ أيضًا: الندم وحده لا يربي.. فما الخطة؟

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم