المقدمة:
من أعظم القيم الإيمانية التي يغرسها القرآن في قلب المؤمن قيمة المراقبة؛ أن يعيش الإنسان وهو يستحضر أن الله يراه ويسمعه ،ويعلم سره ونجواه، فلا يجرؤ على معصية، ولا يتكاسل عن طاعة.
ورمضان مدرسة عملية لهذه القيمة؛ فالصائم قد يخلو بنفسه بعيدًا عن أعين الناس، ومع ذلك يمتنع عن الطعام والشراب، لا خوفًا من البشر، بل تعظيمًا لرقابة الله.
ولهذا قال النبي -ﷺ- في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" (رواه البخاري (1904)، ومسلم (1151).
قال الإمام ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف: "الصوم سرٌّ بين العبد وربه، لا يطلع عليه إلا الله، ولهذا أضيف إليه." (ابن رجب الحنبلي :2007م، ص 276).
فالصيام يربي في الإنسان ضميرًا حيًا لا يحتاج إلى رقيب من البشر.
أولًا: معنى المراقبة في الإسلام:
المراقبة في اللغة من الترقب والانتباه.
أما في الاصطلاح فهي: استحضار اطلاع الله على العبد في كل حال، في السر والعلانية.
وقد لخص النبي -ﷺ- هذه الحقيقة في تعريف الإحسان حين قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»،(رواه مسلم (8).
قال الإمام النووي: "هذا الحديث أصل عظيم من أصول الدين، وهو مقام المراقبة والإحسان." (شرح صحيح مسلم، 1392هـ، ج1 ص157).
فالمراقبة هي روح الإيمان، وهي التي تصنع الإنسان المستقيم في غياب القوانين والرقابة البشرية.
ثانيًا: المراقبة في القرآن الكريم:
القرآن مليء بالآيات التي تبني هذه القيمة في قلب المؤمن.
قال الله تعالى:﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾[العلق: 14].
وقال سبحانه:﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾[ق: 18].
وقال أيضًا:﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء: 1].
قال الإمام الطبري في تفسيره: "الرقيب هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء من أعمال عباده." (الطبري:2001م، ج8 ص474)
وهذه الآيات تبني في النفس شعورًا دائمًا بأن الإنسان محاط بعلم الله وإحاطته.
ثالثًا: كيف يربي رمضان قيمة المراقبة:
رمضان أعظم مدرسة لتربية الضمير الحي.
1 )الصوم عبادة سرية:
يمكن للإنسان أن يفطر خفية، لكن الصائم الحقيقي يمتنع لأنه يعلم أن الله يراه.
2 ) قيام الليل:
يقوم المؤمن بين يدي الله في ظلمة الليل، بعيدًا عن أعين الناس، لأن قلبه متعلق بالله.
3 ) الصدقة الخفية:
قال النبي ﷺ: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". رواه البخاري (1423) ومسلم (1031).
يقول الإمام ابن القيم في مدارج السالكين: "المراقبة دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه على ظاهره وباطنه." (ابن القيم : 1996م، ج2 ص65).
رابعًا: أثر المراقبة في بناء الإنسان:
المراقبة تصنع شخصية عظيمة.:
1 )الاستقامة:
فالإنسان لا يحتاج إلى رقيب بشري.
2 )الأمانة:
المراقبة تمنع الغش والخيانة.
3 ) النزاهة في العمل:
لو عاش الموظفون والتجار والمسؤولون بهذه القيمة لاختفت كثير من صور الفساد.
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا."
خامسًا: قصة رائعة في المراقبة
مرَّ عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- براعي غنم، فقال له: بعني شاة.
فقال الراعي: ليست لي، قال ابن عمر: قل لصاحبها أكلها الذئب، فقال الراعي:
"فأين الله؟" فبكى ابن عمر وقال: "كلمة أعتقت صاحبها."
فذهب إلى صاحب الغنم واشترى الراعي وأعتقه.
هذه القصة تلخص معنى المراقبة في كلمة واحدة: "فأين الله؟"
سادسًا: المراقبة في واقعنا اليوم:
لو عاشت الأمة هذه القيمة لتغيرت أحوال كثيرة:
لا غش في التجارة
لا خيانة في الوظائف
لا فساد في المؤسسات
لا ظلم في الحكم
لأن الإنسان حين يشعر برقابة الله لا يحتاج إلى آلاف القوانين.
قال الإمام الغزالي في الاحياء: "المراقبة هي أصل كل خير، ومنها ينشأ الحياء من الله." (الغزالي: ج4، ص395)
سابعا :أبيات شعر:
يا من يراقبُ ربَّهُ في سرِّهِ ويعيشُ في نورِ الهدى متطهِّرًا
إنَّ المراقبةَ التي في قلبهِ جعلتْ طريقَ الصالحينَ مُنَوَّرًا
فإذا خلوتَ فقل لنفسكَ خاشعًا ربِّي يراني دائمًا ويُقدِّرُا
ثامنًا:الواجب عملي:
جرّب هذا التدريب الإيماني لمدة أسبوع:
قبل كل عمل قل: الله يراني.
احرص على عمل طاعة لا يعلم بها أحد.
راقب كلماتك في الحديث.
حاسب نفسك كل ليلة قبل النوم.
ستجد أن قلبك بدأ يقترب أكثر من الله.
الوصية:
اجعل هذه الكلمة شعار حياتك: "الله يراني"
فمن عاش بهذه الكلمة استقامت حياته كلها.
الخاتمة:
إن أعظم إنجاز يحققه رمضان ليس كثرة الطعام عند الإفطار، ولا حتى كثرة العبادات الشكلية، بل أن يخرج الإنسان بقلب حي يراقب الله في كل لحظة.
فإذا خرجنا من رمضان ونحن نستحضر أن الله يرانا في أقوالنا وأعمالنا ونياتنا…
فقد نجحنا في مدرسة رمضان.
أما إذا انتهى رمضان وعدنا إلى الغفلة…
فلم نفهم رسالة الصوم بعد.
فلنجعل شعار حياتنا:
الله يراني… الله يسمعني… الله يعلم سري وعلانيتي.
اللهم فرجًا لأهلنا في غزة والسودان يارب العالمين.
المراجع:
١)ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، الرياض، 1999م.
٢)الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار هجر، القاهرة، 2001م.
٣)النووي، شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1392هـ.
٤)ابن القيم، مدارج السالكين، دار الكتاب العربي، بيروت، 1996م.
٥)الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت.
٦)ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، دار ابن كثير، دمشق، 2007م.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية