المربي

المربي

التربية علاقة قبل أن تكون رسالة: داوم الصلة تدُم الثمرة

التربية علاقة قبل أن تكون رسالة: داوم الصلة تدُم الثمرة

يظنّ بعض المربين أن التأثير يجري عبر الكلمة الجيّدة متى قيلت، فيكتفون من الناس بلقاءاتٍ متباعدة: درسٌ هنا، ونصيحةٌ هناك، ثم غياب. والحقيقة أن الكلمة ــ مهما حسُنت ــ لا تعمل عملها إلا عبر قناةٍ اسمها العلاقة؛ فالتربية في جوهرها علاقةٌ ممتدّة قبل أن تكون رسالةً تُبلَّغ. والعلاقة المثمرة تربويًّا تتّسم بثلاث سمات: المداومة والاستقرار والنموّ؛ فهي صلةٌ لا تنقطع، ثابتةٌ لا موسمية، تنمو وتتعمّق مع الأيام. أمّا المربي الذي يظهر ويختفي، فيبدأ في كلّ ظهورٍ من الصفر، ولا يبلغ من القلوب ما يبلغه صاحب الصلة الدائمة وإن قلّ كلامه.

 

لماذا المداومة قناة التأثير الأولى؟

لأن أثر التربية تراكميّ بطبعه؛ فالثقة تُبنى باللقاءات المتكرّرة، والقيم تُغرس بالمعايشة الطويلة، وتقويم السلوك يحتاج اتصالًا منهجيًّا مستمرًّا لا وقفاتٍ متباعدة. فالمتربّي يفتح قلبه لمن يعرف أنه باقٍ في حياته، لا لعابرٍ لا يدري متى يراه. وهذا هو سرّ أثر الوالدين والمعلّم الملازم والصاحب الدائم؛ فالزمن المشترك هو التربة التي ينبت فيها التأثير، ومن بخل بالمداومة حصد أثرًا هشًّا مهما أجاد الكلام.

 

ابدأ بالأقرب استعدادًا

ومن فقه هذا الباب حسنُ اختيار من تبدأ بهم صلتك التربوية؛ فالناس درجات في الاستعداد: منهم صاحب الخُلق والديانة الذي لا ينقصه إلا من يأخذ بيده، ومنهم صاحب المروءة والأخلاق الأساسية ــ كالصدق والشجاعة والعفّة ــ الذي يحتاج تقريبًا وتعهّدًا، ومنهم البعيد الذي يحتاج طول نَفَسٍ وصبرًا. والقاعدة: حُسن الاختيار في البداية يرجّح النجاح في النهاية؛ فالأفضل مقدَّمٌ على الفاضل، والفاضل على المفضول. وليس هذا إهمالًا لأحد، بل ترتيبًا للجهد: تبدأ بمن استعداده أكبر فتثمر معه أسرع، ثم يكون هو عونًا لك على من بعده.

 

كيف تتغلّب على المعوّقات؟

أكثر ما يعيق المربي عن هذه الصلة الدائمة أمران: ضيق الوقت، والشعور بعدم الإجادة. ولكلٍّ علاج:

ضيق الوقت علاجه الدمج لا الإضافة. فلا تجعل صلتك بمن تربّيهم عبئًا إضافيًّا فوق يومك، بل اجعلها على مسار حياتك اليومية المعتادة: في طريقك، وعملك، ومسجدك، ومجالسك؛ فالمداومة الميسورة المدمجة في اليوم خيرٌ من مشروعٍ كبيرٍ منفصل سرعان ما ينقطع.

وعدم الإجادة علاجه البدء والممارسة. فإنما العلم بالتعلّم، والمهارة تنمو بالمزاولة؛ فابدأ ولو متعثّرًا، فإن الشروع في العمل ينشّطه ويطوّره شيئًا فشيئًا، وقد وعد الله السالكين بالهداية في الطريق: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. وأعِن نفسك بتبادل الخبرات مع أهل التجربة، وبطلب النصح والمتابعة؛ فللمتابعة والتوجيه معولٌ كبير في الاستمرار.

 

صلةٌ تنمو لا تراوح مكانها

وسمة النموّ تعني ألّا تظلّ العلاقة سطحيةً على حالها؛ بل تتدرّج: تعارفٌ، فمودّةٌ، فثقةٌ، فتأثير. فالمربي يتعهّد صلاته كما يتعهّد الغرس: يبدأ مع الواحد والاثنين بخطواتٍ متدرّجة، ويعمّق قبل أن يوسّع؛ فصلةٌ عميقة مع قليلين أثمر من معارف كثيرين بلا عمق.

 

خاتمة

لا تسأل: ماذا أقول لمن أربّيهم؟ قبل أن تسأل: ما صلتي بهم؟ فالتربية تجري في مجرى العلاقة؛ داوم الصلة تدُم الثمرة، وابدأ بالأقرب استعدادًا، وادمج تعهّدك للناس في مسار يومك، وابدأ ولو متعثّرًا فإن الطريق يعلّم سالكه. فالمربي الحقّ ليس أحسن الناس كلامًا، بل أدومهم صلةً وأصبرهم على طول الطريق.

 

 

اقرأ أيضًا: كيف يكسب المربي قلوب الناس؟ مفاتيح المحبة الصغيرة ذات الأثر الكبير

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم