الاستشارات

كيف أتعامل مع نوبات الغضب والصراخ على أطفالي؟ وهل هو تقصير في حقّهم؟
الإستشارة

أصرخ على أولادي على أتفه الأسباب ثم أتمزق ندمًا كل ليلة وأنا أنظر إليهم نائمين، وأخاف أن أكون قد جرحت نفسياتهم بصراخي. هل هذا تقصير مني في حقهم؟ وكيف أتوقف؟

الإجابــة

أولًا، دعني أطمئنك في نقطة وأصارحك في أخرى. أطمئنك: أن انزعاجك من صراخك دليل قلب حيّ ووعي تربوي، فالخطر الحقيقي هو مَن يصرخ ولا يرى في ذلك مشكلة. وأصارحك: نعم، الصراخ المتكرر يؤذي الطفل ويعلّمه أن الغضب هو لغة حل المشكلات، لكن الشعور بالذنب وحده لا يربّي؛ الذي يربّي هو خطة التغيير. فحوّل طاقة الندم إلى عمل بهذه الخطوات:

1. اعرف أن ضبط الغضب عبادة ومهارة معًا. قال النبي ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (متفق عليه). ولمّا طلب رجل من النبي ﷺ وصية قال له: «لَا تَغْضَبْ» فردّد مرارًا، قال: «لَا تَغْضَبْ» (رواه البخاري). فأنت حين تجاهد نفسك أمام أطفالك، لست فقط تحسّن تربيتك، بل تتعبّد إلى الله بأحبّ الجهاد: جهاد النفس.

2. طبّق العلاج النبوي في لحظة الغضب:

استعذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فقد أرشد النبي ﷺ إليها رجلًا اشتد غضبه (متفق عليه).

غيّر وضعك الجسدي: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ... فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ عَنْهُ الْغَضَبُ فَلْيَضْطَجِعْ» (رواه أبو داود بإسناد صحيح).

الزم الصمت: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ» (رواه أحمد). اجعل شعارك: لا قرار ولا كلام تربويًّا وأنا غاضب.

وأضف حيلة عملية: غادر الغرفة ثوانيَ («سأعود إليك بعد قليل»)، أو اشرب ماء؛ فالغضب موجة، تصعد ثم تنكسر خلال دقائق إن لم تُغذَّ.

3. عالج الجذور لا اللحظة فقط. أكثر صراخنا على أطفالنا وقوده ليس أفعالهم، بل إرهاقنا نحن: قلة نوم، ضغط عمل، همّ مالي، فيدفع الطفل ثمن يومنا الصعب. فراقب: متى تنفجر غالبًا؟ ستجد نمطًا (آخر النهار، وقت الواجبات، عند الجوع). ثم عالج النمط: قدّم نومك، لا تدخل على أطفالك من باب العمل مباشرة، وخفف توقعاتك في الأوقات الحرجة.

4. أتقن فنّ الترميم بعد الخطأ. إذا صرخت، فبادر بعد الهدوء إلى طفلك وقل له: «أخطأت حين رفعت صوتي عليك، سامحني، أنا أحبك وسأحاول ألا أكرّرها». لا تخف أن يهزّ هذا صورتك؛ بل العكس: أنت تعلّمه بالقدوة أعظم درس أخلاقي — أن الكبير يعترف ويعتذر — وتطفئ في قلبه أثر الجرح قبل أن يترسّب. فالبيوت لا تخلو من أخطاء، لكنها تفترق في وجود الترميم من عدمه.

5. واستحضر القدوة العظمى: يقول أنس رضي الله عنه، وقد خدم النبي ﷺ عشر سنين وهو صبي: «فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ؟» (متفق عليه). عشر سنوات مع صبي دون «أفٍّ» واحدة؛ لن نبلغ هذا الكمال، لكنه القبلة التي نمشي نحوها.

فالخلاصة: لا تجلد ذاتك، ولا تبرّر لها؛ بل اجعل كل نوبة غضب مادة دراسة: ما الذي أشعلها؟ وكيف أطفئها مبكرًا في المرة القادمة؟ وبإذن الله ستجد نفسك بعد أشهر تصرخ أقل، وترمّم أسرع، وهذا هو النجاح الواقعي.

المزيد من استشارات
لديك سؤال تحتاج الي إجابة عليه ؟
يرجى إدخال الاسم الكامل
يرجى إدخال بريد إلكتروني صالح
يرجى إدخال عنوان الرسالة
يرجى إدخال الرسالة
يرجى التحقق من أنك لست روبوت