أول ما ينبغي أن تعرفه: هذا السؤال طبيعي تمامًا، وليس علامة خطر ولا بذرة انحراف. بل هو دليل أن عقل طفلك يعمل ويبني المفاهيم. فلا تفزع، ولا توبّخه، ولا تقل له: «عيب، هذا سؤال حرام!»؛ فالتوبيخ لا يلغي السؤال، وإنما يعلّم الطفل أن يخفيه عنك ويبحث عن جوابه عند غيرك.
والأجمل أن النبي ﷺ أخبرنا بهذا السؤال قبل أربعة عشر قرنًا وأعطانا منهج التعامل معه، قال ﷺ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ» (متفق عليه). فالسؤال إذًا وارد على كل عقل، صغيرًا كان أو كبيرًا، والمطلوب ليس الذعر منه بل حسن إدارته.
كيف تجيب عمليًّا؟ بثلاث خطوات:
1. احتضن السؤال أولًا. قل له بابتسامة: «ما شاء الله، سؤال ذكي! تعال أشرح لك». هذه الجملة وحدها تحفظ قناة الحوار مفتوحة بينكما لسنوات قادمة.
2. ثم أعطه الجواب المبسّط الصحيح: «كل الأشياء التي حولنا مخلوقة، لها بداية؛ أما الله فهو الخالق، وليس مخلوقًا مثلنا، فلا أحد خلقه. الله موجود دائمًا: قبل كل شيء، وبعد كل شيء». ويمكنك تقريبها بمثال: «مَن رسم هذه اللوحة؟ الرسام. وهل الرسام جزء من اللوحة؟ لا، هو غيرها. كذلك الله خلق كل شيء وهو ليس كمثل شيء مما خلق». ثم اقرأ له سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: 3].
3. وإن ألحّ ولم يقتنع، فطمئنه ولا تضغط. قل له: «عقولنا صغيرة على فهم كل شيء عن الله؛ نحن لا نستطيع حتى أن ننظر إلى الشمس مباشرة، فكيف بخالق الشمس؟». ثم علّمه — إذا كان في سنٍّ تسمح — أدب النبي ﷺ عند وسوسة هذا السؤال: أن يقول «آمنت بالله»، ويستعيذ بالله، وينشغل بغيره.
المهم في النهاية ليس أن تُفحم طفلك بجواب فلسفي، بل أن يخرج من الحوار بشعورين: أن أسئلته مرحّب بها عندك، وأن ربّه أعظم من أن يحيط به عقل.