الجواب في كلمة واحدة: الأمان. أن يشعر الطفل أنه محبوب ومقبول وآمن في حضن والديه.
قد تستغرب: ما علاقة الأمان بالارتباط بالله؟ العلاقة أعمق مما نظن. فالطفل في سنواته الأولى لا يدرك الله بالبراهين والمفاهيم، وإنما تتشكّل صورته الأولى عن ربّه من خلال صورته عن والديه؛ فهما أول «سلطة عليا» يعرفها في حياته. فإن عاش في بيت يفيض حبًّا وطمأنينة، نشأ قلبه مهيَّأً لأن يعرف ربًّا رحيمًا قريبًا. وإن عاش في خوف وقسوة، صار الدين في وجدانه لاحقًا مرتبطًا بالتهديد والعقاب.
وهذا يوافق ما أخبر به النبي ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» (متفق عليه). فمهمتك الأولى ليست أن «تصنع» الإيمان في قلب طفلك، فبذرته موجودة أصلًا؛ مهمتك أن تحمي هذه الفطرة وتسقيها، وأهم سقاية لها في السنوات الأولى هي بيئة الحب والأمان.
عمليًّا، اربط اسم الله في وجدان طفلك بالجميل لا بالمخيف:
- حين يأكل شيئًا يحبه، قل له: «الله هو الذي رزقنا هذا».
- حين يخاف، علّمه أن الله يحفظه، لا أن الله «سيغضب منه».
- أخّر لغة التخويف والعقاب الإلهي في هذه المرحلة؛ فالطفل الصغير يحتاج أن يحبّ الله قبل أن يخافه، والخشية الصحيحة تُبنى لاحقًا على أساس المحبة.
وانظر كيف خاطب النبي ﷺ ابن عباس وهو غلام صغير، فلم يبدأ بالتحذير، بل بلغة الحفظ والمعيّة: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ» (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح). ربٌّ يحفظك ويكون معك؛ هذه أول صورة عن الله ينبغي أن تسكن قلب الطفل.
فاطمئن: كل حضن تحضنه فيه، وكل مرة تحتوي فيها خوفه بدل أن تسخر منه، أنت لا تبني علاقته بك فقط، بل تمهّد الطريق لعلاقته بربّه.