نعم، ويقينًا. بل إن سؤالك هذا دليل صحّة لا دليل نقص؛ فالذي يشعر أنه «لا يزال يعمل على نفسه» هو غالبًا أوعى بدينه ممن يظن أنه اكتمل.
تأمّل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. لاحظ أن الآية جمعت النفس والأهل في أمر واحد، ولم تقل: أصلحوا أنفسكم أولًا ثم التفتوا إلى أهليكم. وقد فسّرها العلماء بأن على المسلم أن يعلّم نفسه وأهله معًا ما يقيهم من النار. فالمسار واحد ومتزامن: تتزكّى وتربّي في الوقت نفسه.
بل هناك سرّ تربوي مهم هنا: ابنك لا يحتاج أبًا كاملًا، بل أبًا صادقًا في سعيه. الطفل الذي يرى أباه يحافظ على الصلاة رغم انشغاله، ويستغفر حين يخطئ، ويقول «لا أعلم» حين لا يعلم، يتعلم درسًا أعمق من كل المحاضرات: أن التديّن طريق نمشيه، لا شهادة نعلّقها. أما الذي ينتظر الكمال ليبدأ التربية، فسيكبر أولاده وهو لا يزال ينتظر.
نقطتان تحفظان توازنك في هذا الطريق:
- لا تجعل نقصك ذريعة للتأجيل. لا تقل: «سأعلّمه القرآن حين أتقنه أنا»، بل تعلّماه معًا؛ فربّ أبٍ حفظ القرآن لأنه أراد أن يحفّظه لابنه.
- لا تُظهر لابنك تناقضًا واعيًا. ليس المطلوب أن تكون معصومًا، بل ألّا تأمره بشيء وأنت تفعل ضده أمامه باستهانة؛ فالطفل يغفر الخطأ، لكنه لا ينسى الازدواجية.
اطمئن؛ فرحلتك في إصلاح نفسك ليست عائقًا أمام تربية أبنائك، بل قد تكون أصدق درس تربوي تقدّمه لهم.